جرائم الثقافة.. من مخيم اليرموك إلى الزمالك

 

كنت أتأمل أحوالنا، وأحوالنا كثيرة ومختلفة، في لحظة تداعي أفكار، وأنا غارق في معنى الثقافة بوصفها سلوكًا؛ استحضرَ ذهني واقعتين متشابهتين: الأولى في مخيم اليرموك، والثانية في حي الزمالك.

في مخيم اليرموك، كان يسكن أب لأربعة شهداء من أجل فلسطين، ولهذا لُقّب بأبي الشهداء، وفي مرحلة ازدهار الثورة الفلسطينية، اتُخِذ قرار سوري ببناء بيتٍ لأبي الشهداء، يُخلّد ذكرى أبنائه، وهكذا كان. وأُشيد البيت على مساحة تُقدّر بخمسمئة متر تقريبًا، وزُيّن البيت بلوحة مرمرية، عليها أسماء الشهداء الأربعة، وصار البيت وصاحبه محطّ زوار، تبرّكًا بالشهداء وأبيهم.

تمضي السنون، وتبدأ مرحلة الهبّة العقارية في الثمانينيات في كل أنحاء سورية، وتقع عين تجار العقارات الجدد على بيت أبي الشهداء، في شارع اليرموك، فمكانه يتسع لبناء من عدة طوابق ومحال تجارية. لكن شراء البيت وهدمه يحتاج إلى موافقة رسمية إلى جانب موافقة صاحب المُلك. فارتشى المسؤول وأُغري ورثة البيت بثمن غالٍ، وجاءت الجرافة، وجرفت البيت مع لوحته المرمرية، وانتصب بناءٌ يدرّ رأسمالًا لجيوب كائنات لا عقل لها ولا قلب ولا انتماء، ولم يعد أحد من الأجيال يتذكر الشهداء وأبا الشهداء وبيت أبي الشهداء.

أما في القاهرة العامرة بآلاف البيوت التي سكنها الكتّاب والمفكرون والموسيقيون والمطربون العظام، من أهل مصر وسواهم، فإنك -ولا شك- ستقضي مثلي وقتًا طويلًا، دون أن تستنفد رؤية هذه البيوت. ومع أن كثيرًا من هذه البيوت قد حوفظ عليه، لكن هناك بيوتًا أخرى، إما أنها أُهملت أو لاقت مصير بيت أبي الشهداء.

قادني صديقي إلى شقة مي زيادة -وما أدراك ما مي زيادة- وقد أمست الدار طللًا مغلقًا، يبعث على الحزن. أما المفاجأة المحزنة فكانت مصير بيت سيدة الغناء العربي: أم كلثوم، فقد طلبت من سائق التاكسي أن يقودني إلى بيت أم كلثوم في الزمالك، فإذا بالرجل يقودني إلى بناية كبيرة عالية، عليها لوحة تقول “فندق كوكب الشرق”، فاعتقدت بأنه قد أخطأ المكان، فأشرت إليه بذلك، لكنه أصرّ، وقال لي بحزن مع شتيمة عامة: “هو ذا البناء الذي كان فيه بيت أم كلثوم”.

بيعت فيلا أم كلثوم في الثمانينيات، ثم هدَمها تجار العقارات، وأقاموا مكانها عمارة سكنية، وكيف ننسى حريق دار الأوبرا!

ثلاث حالات ثقافية اشتركت في هذا التدمير:

– ثقافة السلطة المنحطة التي لا تُقيم وزنًا للثقافة الوطنية والمبدعة ورموزها؛ إذ إنها، بفعل الرشوة، قادرة على القيام بأفعالٍ مشينة، بحق الذاكرة الوطنية والهوية الوطنية، فمعالم كهذه، في الحالة الطبيعية، يجب أن تكون تحت حماية مؤسسات الدولة، وليس تركها عرضة لاعتداء الرأسمال الطفيلي.

– ثقافة الرأسمالية الجديدة المنحطة التي لا تُفكّر إلا بتراكم رأسمالها، ولو على حساب التاريخ الناصع الدال عليه الإرث العمراني، ومكانة ساكنيه في الثقافة الشعبية – الوطنية.

– الفقر الثقافي المتكون من جهل ثقافي وطمع مالي لبعض العوام.

هذه البنية التي راحت تتكون في نهاية السبعينيات، وظلّت تنمو وتنمو حتى التهمت الثقافة السامية الخالقة للمعاني الأخلاقية والجمالية والمعرفية هي التي أسست لانهيار عالم القيم، وشقّت الطريق أمام ثقافة الفساد والقتل وتدمير الحس الوطني، ويبدو أن ديكتاتوريينا ومتمجديهم قد وعوا أن بقاءهم رهن بثقافة الانحطاط واستمرارها. وكان ما كان.

إذا كان الشيء بالشيء يذكر؛ فإني لأتذكر تلك الرحلة التي قمنا بها تحت إشراف جمعية “البوشكينيين” في سان بطرسبورغ، إلى جميع البيوت التي سكنها الشاعر الروسي بوشكين، والطريق الذي سلكه في آخر يوم في حياته لمبارزة خصمه، والساحة التي جرت فيها المبارزة بالمسدسات، والتي قُتل فيها الشاعر.

والحق أن النظام الشمولي السوفييتي كان يتعامل مع سان بطرسبورغ، كدرّةٍ يجب الحفاظ عليها، وعلى بيوت المبدعين الذين عاشوا فيها، حتى في هذا، للدكتاتوريين في بلادنا خصوصية لا مثيل لها عند الآخرين، ولرأسماليينا وعي لا علاقة له بوعي نظرائهم، في أماكن أخرى في العالم، لماذا؟ سؤال يحتاج إلى تأمل ونظر.