السوريون بين الإحباط والأمل

 

حتى أولئك السوريين المؤيدين للأسد، وجدوا أنفسهم أمام السؤال المعقد: وماذا بعد؟ وعلى مدار حوالي سبع سنوات من الصراع الدامي وغير المسبوق، بين سلطة عنيدة عنيفة متوحشة، وشعب شبه أعزل، صراع تكاد تفاصيله تستعصي على العدِّ، فضلًا عن التوثيق والإحصاء؛ وجد الشعب السوري الثائر نفسَه في وضع الجريح النازف المترقب نهايةً، أو نهايات، مختلفة جدًا عن تلك التي حلم بالوصول إليها، عندما هبَّ في معظم مدنه وقراه، يهتف للحرية وإسقاط النظام عام 2011.

بات الشعب السري يتمنى توقف القصف وحصار التجويع أولًا، ليستعيد أنفاسه، وقدرته على التفكير بالمستقبل، وأصبح تعبير (والله تعبنا) يُستخدم بين السوريين اللاجئين في دول الجوار، ودول الغرب أيضًا، ويصدمك أحيانًا أن تسمع هذا التعبير من مغترب سوري يملك ثروة طائلة، بعدما يُعدّد لك المنظمات والعائلات التي يُقدّم لها المساعدة، كل شهر، طوال سنوات الثورة.

مع فداحة المصائب التي نزلت بكل شخص سوري؛ فإنه سيجيبك إن سألته: هل تقبل بالعودة إلى حكم الأسد؟ لا، ذلك مستحيل. هذه الإجابة ذاتها سمعها ستيفان دي ميستورا مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية، وقبله الأخضر الإبراهيمي وكوفي عنان، من قيادة المجلس الوطني، والائتلاف فيما بعد، وكذلك من الهيئة العليا للمفاوضات، فضلًا عن شخصيات وطنية مستقلة أخرى، أوصلت صوت الثورة إلى كبار المسؤولين في دول القرار.

هذا الإصرار على مطلب إسقاط سلطة الأسد تقابله مشروعات دولية وعربية، لا يبدو أنها مهتمة برحيل الأسد أو بقائه إلا بالقدر الذي يُناسب مصالحها، إن إصرار الأسد على البقاء في السلطة، مهما كلّف من ثمن، مثّلَ فرصًا ذهبية للطامعين بالهيمنة على سورية، أرضًا وبحرًا وشعبًا وثروة غازية واعدة، وهؤلاء مختلفون في الأهداف، وفي الحصص، وفي مناطق النفوذ..

المحلل السياسي د. لبيب قمحاوي، بدا -كغيره من كبار المحللين السياسيين العرب- متشائمًا بشأن مستقبل سورية، حين قال: “إن سورية التي نـَعْرِف قد انتهت، وسورية التي لا نعرف، ولا نريد أن نعرف، هي الآن قيد التشكيل”. لقد شعر معظم السوريين بحالة متفاقمة من العجز، وفقدان القدرة على استشراف المستقبل، أو استيعاب حقيقة ما يجري في بلدهم، بعد شهور من التظاهر السلمي والاستنجاد بالدول العربية والغربية من دون طائل؛ ما أدى إلى تبلور حالة متفاقمة من الإحباط ودفع بعضهم باتجاه حمل السلاح، للدفاع عن بيوتهم وأعراضهم، ثم إلى انضمام المتشددين منهم إلى تنظيمات متطرفة مثل (داعش) و(النصرة) وأشباههما؛ أملًا في التنفيـس عن غضبهم، وربما في تحقيق حلم “الخلافة” الذي يعني لهم السلطة القوية القادرة على سحق نظام الأسد، وهذا الوضع عملت على خلقه مخابرات النظام، بالتعاون مع الحرس الثوري الإيراني وميليشيات (حزب الله)، وقد شكّل في بداياته مخرجًا للنظام السوري، من أزمته الطاحنة التي وضعته في حال من الشلل الذي رافق صراعه مع الشعب الثائر والجيش الحر، ولقد أدى إطلاق يد (داعش)، ومن ثم (النصرة) في اجتياح المدن والبلدات التي حررها الجيش الحر إلى دفـْع الأمورِ في اتجاه حصر الخيار أمام الشعب السوري والعالم الخارجي، إمـَّا في بقاء النظام أو في سقوط البلد بيد “الإرهابيين”، وبذلك فتح المجال أمام قوى عديدة، للتدخل العسكري والسياسي في الشأن السوري، بذريعة مكافحة الإرهاب.

وهكذا؛ فإن الأرض والأجواء السورية أصبحت مستباحة لكل طامع، ومن الواضح أن النظام السوري يحصد ما زرعه، عندما حصر الخيار أمام الشعب السوري والعالم بين بقائه، أو سيطرة المتشددين، وهو تخيّل أن تلك هي خشبة نجاته من السقوط، تلك الخشبة ذاتها أصبحت العذر الكافي للدول الإقليمية والعالمية لقصف سورية وتدميرها وتقسيمها، دون أن تُشكّل ضمانة حقيقية لبقاء النظام.

إن التواجد الروسي في سورية ليس جديدًا، ويعود إلى سنوات طويلة، والتطور الجديد يتمثل بتسمين ذلك الوجود، وتفعيل دوره ونشاطه العسكري بشكل ملحوظ ومُعـْلـَن، وهذا التطور لم يُفاجئ أميركا طبعًا، ولا هو شكّلَ صورةً من صور التنافس الذي ميّز حقبة الحرب الباردة، بل عكس التوجه الجديد في التنسيق، بين مصالح الدول الكبرى على حساب الدول الصغيرة أو الفاشلة.

لقد أدّى إصرار الأسد على البقاء في الحكم بأي ثمن، إلى اختصار الطريق أمام روسيا، وحصر الثمن الذي ستدفعه، مقابل تحقيق مصالحها هناك، بمجرد دعم الأسد والحفاظ على نظامه ولو مؤقتًا، ومصير الأسد أصبح أحد أدوات التفاوض بيد روسيا، وبقاؤه من عدمه أصبح مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بمصالحها، ولا علاقة له بالعواطف أو الأيديولوجيا.

إن خشية روسيا من أن يتأثر وجودها في سورية، إذا جاء نظام حكم بديل عن الأسد يُطالبها بالرحيل، هو السبب الحقيقي وراء الدعم الروسي لبقائه، ولا مانع لديها من تقسيم سورية إلى دويلات، تكون أهمها الدولة العلوية في مناطق تواجد القواعد العسكرية الروسية غربي سورية؛ إذا ما تطلّب الأمر ذلك.

إن السيطرة على موارد الغاز الهائلة، تحت مياه البحر المتوسط، التي سوف تخضع لكل من يُسيطر على الساحل السوري، تُعتبر فوائد إضافية على هامش الأهداف الرئيسية لروسيا، فقد تحوّلت الحرب السورية إلى حرب إقليمية على الأرض السورية، بحكم تضارب المصالح بين دول إقليمية ودولية، في حين أن العرب لم يتعد دورهم التابع المنفذ للآخرين.

الصراع الدائر حاليًا حول سورية يأخذ أشكالًا متعددة، ويدور في دوائر مختلفة، منها ما هو بين أميركا وروسيا، وبين روسيا وتركيا، وبين إيران والسعودية… إلخ. وفي الوقت نفسه، فإن دولًا عدة، منها فرنسا وبريطانيا وألمانيا، لا أحد يستشيرها في قرارات وإجراءات تمسّ الوطن السوري والسيادة السورية، وفي المقابل لا يصدر عن الحكم السوري أي تصريح أو قرار ذي قيمة أو أثر، بخصوص الاحتلالات الأجنبية لمعظم أراضي البلد.

المؤكد أن روسيا والولايات المتحدة لن تخوضا أي نزاع عسكري مباشر، من أجل سورية، وإذا ما كان هنالك أي داع لخوض معارك عسكرية؛ فإن ذلك سوف يتم بأيدي سورية وعربية، بحيث يقتلون بعضهم خدمة لأهدافها، كما يجري الآن.

إن مستقبل سورية ووحدة أراضيها مرهون بمدى قناعة روسيا وأميركا وتركيا وإيران، بأن ما ستؤول إليه أمور الحكم فيها لن يتعارض مع استراتيجياتها، والجميع ينظر إلى مصالحه الوطنية بجدية، بينما تفتقد الأنظمة العربية ذلك الهدف، وينظرون إلى أوطانهم باعتبارها أرضًا وبشرًا في خدمتهم، وليست أوطانًا يقومون على خدمتها، ولا بأس أن تزول بزوالهم، وبالرغم من المآسي المروعة في المشهد السوري، والضباب الذي يُغطّي طريق الخلاص، فإن الأكيد أن الشعب السوري لن يسمح لنظام الأسد بأن يحكمه، مرة أخرى، مهما كلف ذلك من ثمن.