المشروع الوطني السوري كملاذ ضامن

لم تتشكّل سورية الدولة الحديثة -التي شهدت النور بحدودها الحالية بعد الحرب العالمية الأولى- بإرادة سكانها من مختلف المكوّنات والجهات. ولم تتطابق حدودها الواقعية مع النزعات الرغبوية لمكوّناتها المجتمعية، وكتلها السياسية. فمع انقشاع غبار المعارك، تبلورت ملامح الاتفاقية السرية التي كانت بين فرنسا وبريطانيا؛ وهي الاتفاقية التي بددت إمكانية تحقّق الحلم القومي العربي، ووضعت حدًا للخلافة الإسلامية بمنحاها العثماني، وأعادت هيكلة المنطقة، على أساس تصنيع دول متفاوتة الحجم والقدرات، مبنية وفق حسابات ومصالح أرباب القرار الدولي.

نحو مئة عام مرّت، وسورية ما زالت ممزقة بين إمكاناتها الفعلية ومصالحها الوطنية من جهة، وتطلعات أصحاب المشاريع السياسية العابرة للحدود من جهة ثانية. هذا مع استثناء محدود تمثّل في المرحلة التي أعقبت الاستقلال، وهي المرحلة التي برز فيها سياسيون، من مختلف المكوّنات، كانت لهم أدوار لافتة في النضال السوري من أجل الاستقلال؛ ولكن سرعان ما هيمنت النزعات الحالمة في ساحة التفكير السياسي، وكانت المنافسة بين ثلاثة مشاريع كبرى، لم يكن في مقدور السوريين تحمّل أعبائها، أو إنجاز الحد الأدنى منها؛ فلم يتمكن المشروع القومي من بلوغ الوحدة القومية المنشودة، وأخفق المشروع الإسلامي في إقناع غالبية السوريين. أما المشروع الأممي فقد ظل سطحيًا نخبويًا، ولم يتحوّل إلى جزء من ثقافة الشعب السوري وسلوكيته، وذلك قياسًا إلى المشروعين المذكورين.

وسرعان ما اكتشف القوميون في الجيش القوةَ التي ستمكّنهم من بلوغ السلطة التي ادّعوا بأنها ستكون وسيلتهم لتحقيق الوحدة العربية الكبرى، ومن هنا كان تركيزهم على أبناء الفلاحين في الأرياف، ليشكلوا العمود الفقري في الجيش العقائدي الذي تسلّطوا عليه، ليكون مجرد أداة لتنفيذ أهدافهم. ولكن الذي تبين لاحقًا هو أن الشعارات “القومية” البراقة، الموشاة بزخرفة اشتراكية، لم تكن سوى تضليل، الغرض منه الانقضاض على الداخل الوطني، والتحكّم بمفاصل الدولة والمجتمع، عبر دولة أمنية لم تنجز في البلد غير الاستقرار الأمني، القسري؛ والتهمت في المقابل كل الإمكانات المادية التي كان من شأنها وضع الأسس الثابتة لنهوض اقتصادي متكامل على المستوى الوطني، نهوض كانت سورية تمتلك كل عناصره ومستلزماته المطلوبة.

أما الاتجاه الإسلامي الذي تمثّل على وجه التحديد في جماعة “الإخوان المسلمين”، فقد ركّز على الأوساط التجارية والصناعية في المدن. كما تغلغل ضمن صفوف الطبقة الوسطى المدينية، خاصة بين الأكاديميين من أطباء ومحامين ومهندسين ومدرسين. واستمرت العلاقة متوترة بين المشروعين القومي والإسلامي. وفي خضم الصراعات والتناقضات والحملات الشعاراتية، أصبح أي تفكير في المشروع الوطني السوري نوعًا من التهمة التي تدين صاحبها، من دون أي تمهّل أو تردّد.

ومع انطلاقة الثورة الشبابية، اعتقد السوريون، في مختلف المناطق ومن سائر المكوّنات، أن مستقبلهم المنتظر قد بات أقرب إليهم من أي وقت مضى. وكانت التظاهرات، والمهرجانات الشعبية الكرنفالية، المطالبة بالقطع الكامل مع نظام الاستبداد والإفساد.

وعاشت الزمرة اللامرئية المتحكّمة بالدولة السورية رعبًا حقيقيًا، وذلك لشعورها بحلول يوم الحساب؛ فاستنجدت بالحليف الإيراني الذي سلّمته كل أوراقها، ليأخذ هو على عاتقه مهمة الدفاع عن النظام بكل إمكاناته وميليشياته، مستفيدًا من ضبابية الموقف الأميركي، والتعطّش الروسي لاستعادة دور القوة العظمى على المستوى الدولي.

كانت استراتيجية النظام ورعاته تقوم على تسويق الثورة السورية، تحت اسم الصراع بين السلطة العلمانية، حامية الأقليات، والقوى الظلامية الأصولية المتطرفة، الإرهابية الإسلاموية، وفُرضت العسكرة على ثورة السوريين؛ فتراجعت القوى المدنية، وباتت الساحة، في ظل تغييب واضح للجيش الحر، ميدانًا للمواجهة بين قوى التطرف بكل أسمائها وأشكالها.

ونحن هنا لسنا بصدد إجراء تحليل عام تفصيلي لما جرى، ويجري، في سورية منذ ما يقارب السبعة أعوام؛ وإنما نود بيان كيف أن السوريين -بكل انتماءاتهم وتوجهاتهم- باتوا على قناعة اليوم بأهمية وضرورة المشروع الوطني السوري الذي لا بد أن يُطمئن الجميع، عبر احترام الحقوق والخصوصيات، وبموجب عقد دستوري يتوافقون عليه؛ من أجل الحفاظ على وحدة بلدهم، وتأمين مستقبل أفضل لأجيالهم المقبلة، في مشروع يضع مصالح السوريين جميعًا فوق كل الاعتبارات، ومن دون أن يكون ذلك على حساب أي فئة أو مكوّن، وذلك يكون عبر الإقرار الواضح باحترام الخصوصيات، والالتزام بالحقوق المترتبة عليها. أما أن نتحدث بلغة مجاملاتية خالية من أي مضمون ملموس حول دور المواطنة، وضرورة أن يتساوى الجميع أمام القانون، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع؛ فهذا لن يبدّد من هواجس المكونات المذهبية أو القومية.

في هذا المجال، نرى ضرورة تأكيد أهمية وحيوية دور المكوّن العربي السني تحديدًا، في ميدان التواصل، وترميم الجسور مع سائر المكوّنات الأخرى، ضمن سياق مصالحة وطنية عامة، تمهّد لحوار وطني معمق على مختلف المستويات، يكون أساسًا لتوافقات وطنية ديمقراطية، تصادر على المخاوف الجمعية، وتؤسس لعلمية دستورية عادلة لكل السوريين، ضمن إطار وطن مشترك يجمعهم، ويساهم في تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة؛ وكل ذلك سيفتح الأبواب أمام تنمية حقيقية، تقوم على قاعدة الاستثمار الرشيد للموارد البشرية والطبيعية، وتضمن توفير فرص العلم والعمل لشبابنا، بعيدًا من الاستبداد والإرهاب.