مقاضاة المقاتلين الأجانب

 

أخذ تنظيم “الدولة الإسلامية/ (داعش)” يترنح؛ مع فقدان عاصمة خلافتها التي كانت أمرًا واقعًا، لمصلحة “قوات سورية الديمقراطية/ (قسد)”، في تشرين الأول/ أكتوبر. يبدو أنّ الجماعة “الإرهابية” تعاني سكرات الموت الأخيرة، بعد خسارتها المستمرة لأراضيها في كلّ من العراق وسورية. ومع اقتراب معركة الرقة من نهايتها الدموية، تحصّن مجموعة من المقاتلين في ملعب المدينة، لتكون تلك وقفتهم الأخيرة قبل استسلامهم للهزيمة أمام (قسد). وفي حين تُعدّ الهزيمة النهائية لـ (داعش) بعيدة المنال حتى الآن، إلا أنّ السؤال الأكثر تداولًا هو: ما مصير آلاف المقاتلين الأجانب القادمين إلى “بلاد الشام”، والذين كانوا السبب الرئيس، في إثارة الصراع الطائفي في المنطقة؟

يشير المركز الدولي لمكافحة الإرهاب، إلى انضمام ما بين 3922 إلى 4294 مقاتل أجنبي، من دولٍ أعضاء في الاتحاد الأوروبي، إلى (داعش) منذ عام 2014[1]، وعلى الرغم من أنّ العديد منهم لقوا مصرعهم، إلا أنّ بعضهم يناشدون حكوماتهم السماح لهم بالعودة إلى ديارهم. في حين تتساهل “القوات الكردية” في سورية، في عودة مقاتلي (داعش) المحتجزين لديها، لمحاكمتهم أمام قاعات المحاكم في بلدانهم الأصلية[2]، إلّا أنّ نظراءهم العراقيين ينوون محاكمة المقاتلين الأجانب في محاكم محلية خاصة، بل يصل الأمر إلى إعدامهم فور إلقاء القبض عليهم، بحسب ما ذكرت بعض التقارير[3].

خلال الأسابيع الأخيرة، أخذتْ عدة حكومات أوروبية مواقف واضحةً إلى حدٍّ ما. صرّح روري ستيورات الوزير البريطاني للتنمية الدولية، بأنّ المواطنين البريطانيين الذين انضموا إلى (داعش) يجب أنْ يتوقعوا قتلهم، بسبب “الخطر الشديد” الذي يشكّلونه على الأمن القومي[4]. وكرّر وزير الدفاع الفرنسي فلورنس بارلي الكلامَ ذاته، فقال: “إننا وحلفاءنا ملتزمون بتدمير (داعش)، وبالطبع، إذا قُتِل الجهاديون في أثناء المعارك؛ فإن هذا أفضل ما قد يحصل، كما أعتقد.. على كلّ المقاتلين الذين انضموا إلى تنظيم (الدولة الإسلامية) وينوون مغادرتها، أنْ يواجهوا هذا المصير”. ويعكس هذا التصريح موقف الحكومة الفرنسية من (داعش).[5] ولا يُعدّ هذا التصريح تهديدًا؛ إذ تفيد التقارير بوجود تفاهم بين الجيش العراقي والحكومة الفرنسية، لقتل أيّ مواطن فرنسي، خلال معركة الموصل. وسبق أن صرّح عبد الغني الأسدي، قائد فرقة مكافحة الإرهاب العراقية، بأنّ القوات العراقية ستمنع أيّ شخص فرنسي من مغادرة الموصل حيًا… وأنّ هدفهم هو قتل الكلّ، حتى لا يتمكنوا من الفرار[6].

في حين تقوم حكومات غربية بإطلاق تهديدات دعائية، تعزم فيها على هزيمة (داعش) عسكريًا، يقوم المجلس الأوروبي بالاستعداد لمقاضاة المقاتلين القادرين على العودة من “بلاد الشام”. في 12 تشرين الأول/ أكتوبر، اعتمدت الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا (PACE) في ستراسبورغ قرارًا، لتمكين مقاضاة ومعاقبة الجرائم ضدّ الإنسانية أو حتى الإبادة الجماعية المحتملة التي ارتكبها تنظيم (داعش). بيد أنّ هناك العديد من الصعوبات الكامنة في الملاحقات القضائية ضدّ المقاتلين الأجانب العائدين؛ أولها استمرارُ إراقة الدماء في سورية والعراق يجعل من الصعب على المدعين العامين جمعَ الأدلة، أو إلقاء القبض، أو العمل على إجراءات تسليم المشتبه بهم. وإلى جانب القضايا الإجرائية، هناك تحدّيات سياسية كثيرة، تجعل التعاون مع العراقيين والسوريين في تطبيق القانون أمرًا صعبًا. العديد من حكوماتِ الاتحاد الأوروبي لا تعترف بالنظام السوري، وما تزال المعارضة منقسمة وغير قادرة على أداء مهمات إنفاذ القانون وفقًا للمعايير الدولية، في حين تُسيء العراق معاملة السجناء، وفقًا لـ (يوروجست)، يشكّل هذا واحدًا من أكبر التحديات التي تواجه الملاحقات القضائية[7]. وجرى تأكيد هذا الموقف من قبل منسق الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإرهاب، والذي أثار تساؤلات حول الأدلة التي تُجمع عبر الإنترنت، حيث يرى أنّه يجب أيضًا مقاضاة مزودي خدمة الإنترنت، على الرغم من عدم انضوائهم ضمن اختصاص المحكمة.

بغض النظر عن المقاتلين الأجانب، إن كانوا قد عادوا إلى أوروبا أو بقوا في سورية والعراق؛ فإنّ الفرصة الأساسية التي يمكن أن تُستند إليها الملاحقات القضائية هي أنّ الاشتباه في الأشخاص المسافرين بقصد ارتكاب أعمال عنف والمساهمة في أعمال جماعية إرهابية في ساحة المعركة السورية. وهذا يسمح للمدعي العام برفع قضايا، استنادًا إلى شهادات المقاتلين الأوروبيين واللاجئين الآخرين المقيمين في أوروبا، الذين كانوا شهودًا على الفظائع المرتكبة، ومن خلال البيانات التي يجري جمعها من الهواتف المحمولة ومزودي خدمات الإنترنت، وأيضًا من خلال المعلومات الآتية مع المقاتلين الهاربين من التنظيم.[8]

ولكنّ تطبيق هذه الحالات صعب للغاية، ومن المحتمل أن تلجأ المحاكم إلى توظيف وسائل التواصل الاجتماعية، وغيرها من الأدلة على شبكة الإنترنيت، لإثبات تورّط الأفراد مع المنظمات الإرهابية. حتى استخدام هذه الأدلة يواجه عددًا من العقبات، بما في ذلك التشريعات القانونية المتعلقة باعتراض الاتصالات، البلاغات المقدمة من المنافذ العامة لولوج الإنترنت، وإغلاق حسابات وسائط التواصل الاجتماعي، حينما يكون مُقدم خدمة الإنترنت، في ولاية قضائية أخرى، وإضافة إلى افتقار تشريعات وقوانين وطنية، تعالج الأعمال الإرهابية ذات الصلة بالإنترنت، مثل إنشاء مواقع إلكترونية تحتوي على مضامين إرهابية.

إنّ صعوبة التحقق من النيّات والغرض من السفر، وجمع الأدلة من سورية والعراق، إضافة إلى جمع الأدلة الموجودة على شبكات التواصل الاجتماعي، وصعوبة استخدام المعلومات الاستخباراتية كأدلة مقبولة، هي من الأمور التي تجعل مسألة محاكمة أي أجنبي في أوروبا، محاكمةً شبه مستحيلة في الجرائم المرتكبة في سورية، إلى حين تحسن الحالة في البلاد لاحقًا[9]. مع ذلك، يُمكن للمدعين العامين أنْ يحاكموا في جرائم أقلّ من ذلك، مثل الأعمال الإجرامية المتمثلة بتجنيد أو تحريض أو تمجيد الأعمال الإرهابية أو الانتماء إلى مجموعات إرهابية أو المساهمة في النشاط التحضيري للأعمال الإرهابية التي بدورها تسهل وتسرع في آلية الملاحقات القضائية.

هناك عدد قليل من الأمثلة على هذه الملاحقات القضائية باستخدام أدلة، مثل المشاركات عبر وسائل التواصل الاجتماعية، استغلال المكالمات الهاتفية، البيانات من المقاتلين الأجانب الآخرين. ويبرز هذا العدد الضئيل من الحالات الصعوباتِ التي يواجها المدعي العام، والخيارات الاستراتيجية التي يُجبرون على اتخاذها. في هولندا -مثلًا- لم يتمكن المدعون العامون في “قضية ماهر” من مقاضاته على ارتكاب أعمال إرهابية في سورية، حيث نجح في مرافعته، بأنّ سفره إلى سورية وحده كان يكفي لإدانته للتحضير لارتكاب جريمة القتل أو القتل الخطأ[10]. أيضًا، في النمسا، ثبت أنّ شخصًا متّهمًا بالانتماء إلى جماعة إرهابية، وهي “جبهة النصرة”، على الرغم من تمَكّن المدعي العام من إثبات وجوده في معسكر للتدريب، إلّا أنّه لم يتمكن من إثبات مشاركته في الفظائع المرتكبة في سورية، ولا على عزمه في ارتكاب أعمال إرهابية في البلد[11]. وقضايا عديدة، مثل قضية أخرى في هولندا، حيث اتُّهم أحدهم بالمشاركة في معسكرات تدريب للإرهابيين والتآمر على ارتكاب جريمة قتل، بدافع إرهابي في سورية[12]. من السهل إثبات جرائم المؤامرة، إلّا أنّ قضايا القتل والوحشية، ستحتاج المحكمة فيها إلى إثبات هوية الأشخاص الذين قتلوا، وهو أمر صعب للغاية. وفي هذه الحالات، الحكم الصادر في حدّه الأدنى ضئيل، ولا يعكس خطورة الجرائم التي ارتكبها هؤلاء الأفراد في أثناء القتال، جنبًا إلى جنب مع تنظيم (داعش) والجماعات المرتبطة به في بلاد الشام.

مع ذلك، يبقى علينا أنْ نرى إن كان هناك إرادة سياسية قائمة، ورغبة اجتماعية في مقاضاة المقاتلين الأجانب، ومنحهم الحق في الحياة التي حَرموا الآخرين منها بوحشية. وعلى الرغم من وجود العديد من الصعوبات الإجرائية والقانونية في مقاضاة المقاتلين الأجانب، إلّا أنّه لا ينبغي أن يمنعنا هذا، كمجتمع، من التمسك بالمبادئ الأساسية للعدالة والحقوق الانسان. على الرغم من كون عملية المقاضاة في سورية صعبة، فإنّ مقاضاة المقاتلين الأجانب في العراق مستمرة على قدم وساق. حيث كثيرًا ما تعقد هذه المحاكمات دون مراعاة لأصول الإجراءات القانونية الواجب اتباعها، والتي تشمل الشهادات المستمدة من التعذيب وغيره من انتهاكات حقوق الإنسان[13]. إنّ مثل هذه المعاملة، مع عدم وجود خيارات ناجعة لإعادة المقاتلين الأجانب إلى أوطانهم لمواجهة العدالة، لن تؤدي إلّا إلى إطالة رغبة هؤلاء المقاتلين في مواصلة الأعمال الوحشية. ينبغي علينا ألّا ندع هذه المخاوف تقيد المحاكم الأوروبية، في توجيه أشد التهم ضدّ المقاتلين الأجانب العائدين. ومن أجل منع حدوث مثل هذه الاحتمالات؛ ينبغي على المحاكم الأوروبية أن تسعى لتيسير مقاضاة الأفراد لارتكابهم جرائم، من قبيل الإبادة الجماعية أو المشاركة في أعمال إرهابية، التي تنطوي على عقوبات أشد، في وقتٍ يُمنح فيه العائدون الأمان، والمعاملة الإنسانية وإجراءات محاكمات عادلة؛ علينا دعم محاكمنا في هذا المسعى، لا أن نخاطر بتخطي مستوى الإنسانية الذي ندعو إليه.

 

العنوان الأصليForeign Fighters Justice
الكاتبألكسندر أستون-وارد Alexander Aston–Ward
المصدرمركز حرمون للدراسات المعاصرة، برنامج الباحثين الزائرين الدوليين
المترجموحدة الترجمة والتعريب

 

[1] B. Van Ginkel and E. Entenrmann (eds), “The Foreign Fighter Phenomenon in the European Union: Profiles, Threats, and Policies”, The International Centre for Counter-Terrorism”, 2016, https://www.icct.nl/wp-content/uploads/2016/03/ICCT-Report_Foreign-Fighters-Phenomenon-in-the-EU_1-April-2016_including-AnnexesLinks.pdf

[2] Emma Vardy, “Jihadi Jack charged with being IS member, Kurdish officials say”, BBC, October 28th 2017, http://www.bbc.com/news/uk-41784827

[3] Sara al-Qaher, “What is the far of foreign IS fighters in Iraq”, Al-Monitor, August 10th 2017, https://www.al-monitor.com/pulse/originals/2017/08/foreign-fighters-iraq-isis-counterterrorism.html . See also Will Worley, “At least 100 European ISIS fighters to be prosecuted in Iraq, with most facing death penalty”, The Independent, October 7th 2017, www.independent.co.uk/news/world/middle-east/isis-foreign-fighters-iraq-prosecuted-death-penalty-families-mosul-a7987831.html

[4] Jon Vale, “British ISIS fighters in Syria must be killed in almost all cases says minister”, The Independent, October 22nd 2017, http://www.independent.co.uk/news/world/middle-east/british-isis-fighters-syria-must-be-killed-rory-stewart-a8014431.html

[5] Elliot Friedland, “Kill Them All: France on French ISIS Fighters”, Clarion Project, October 19th 2017, https://clarionproject.org/france-isis-fighters/

[6] AFP, “Wanted Dead, not Alive: France’s Approach to French Jihadists”, The Local, October 18th 2017,  https://www.thelocal.fr/20171018/wanted-dead-not-alive-frances-approach-to-is-jihadists

[7] Eurojust, “Joint action against radical islamist terrorist group coordinated at Eurojust (Operation JWEB)”, Eurojust, November 2015, http://www.eurojust.europa.eu/press/PressReleases/Pages/2015/2015-11-12.aspx

[8] Lizzie Dearden, “ISIS documents leak: Britons among 22,000 recruits with person details revealed through groups ‘registration form’, The Independent, March 2016, http://www.independent.co.uk/news/world/middle-east/isis-documents-leak-british-fighters-among-1700-with-personal-details-revealed-through-terrorist-a6921506.html

[9] Human Rights Watch, “These are the Crimes we are Fleeing”, Human Rights Watch, 2017, https://www.hrw.org/report/2017/10/03/these-are-crimes-we-are-fleeing/justice-syria-swedish-and-german-courts

[10] Dutch District Court, “Judgement of the District Court of the Hague of 1 December 2014”, Dutch District Court Proceedings, 2014, https://uitspraken.rechtspraak.nl/inziendocument?id=ECLI:NL:RBDHA:2014:14652

[11] Europol, “European Union Terrorism Situation and Trends Report (Te-SAT) 2015”, Europol, 2015, https://www.europol.europa.eu/activities-services/main-reports/european-union-terrorism-situation-and-trend-report-2015 , p. 15

[12]International Crimes Database, “News Archive October 2017, International Crimes Database, 2017, http://www.internationalcrimesdatabase.org/home/newsarchive

[13] Human Rights Watch, “Iraq: Hundreds Detained in Degrading Conditions”, Human Rights Watch, 2017, https://www.hrw.org/news/2017/03/13/iraq-hundreds-detained-degrading-conditions