مُلحق.. المصارحة طريق المصالحة

 

لم يخطر ببالي يومًا أن حجم التردي الثقافي، في مجتمعنا، سيصل إلى درجة أن مقالًا من ألف كلمة يحتاج إلى أن يتبعه ملحق بالعدد ذاته من الكلمات، لشرحه وتوضيح القصد منه والرد على منتقديه، خصوصًا أنه يتناول تاريخ سورية الحديث، وطبيعة النظام الذي نثور ضده، والغريب في الأمر أن تصدر الانتقادات للمقال عن مُمتهني الثقافة، من المحسوبين على النُخبة، ولكن يبدو أنه في مجتمع جاهل لا يقرأ، تكون “النخبة” في جزئها الأكبر هي الأقل جهلًا، وليس الأكثر علمًا.

أثار المقال الموسوم، بـ “الثورة السورية وتطور العقل العَلوي السلطوي“، جملةً من الانتقادات لي وللصحيفة الناشرة، والتي نقلته من “مقالات الرأي” إلى “منبر حر”، تحت الضغط، طالت تلك الانتقادات العنوان والسطر الأول من المقال فقط، دون التطرق إلى محتواه أو الفكرة التي يُناقشها؛ ما يدل على وجود تشنج مسبق تجاه أي طرح يُسمّي الأشياء بمسمياتها، لذا سأفند الانتقادات والتهمَ التي ذُكرت والمقال بها تباعًا.

أولى تلك التهم كانت “الطائفية” لاستخدامي كلمة “العلوي” في العنوان، والإشارة إلى طوائف الضباط البعثيين في المتن، وهي تهمة غير مستغربة، لكون من يستخدمها تربى على يد نظام الأسد، حيث تُشكل “الطائفية” تهمة جاهزة لكل مَن يسمي الأشياء بمسمياتها، وبالتحديد إذا كان سُنيًا.

أما التهمة الثانية فهي “التعميم” على جميع أبناء الطائفة العلوية، من خلال استخدام “العقل العَلوي” في العنوان، وهي قراءة مجتزأة للمقال، فالمقصود بالعقل: هو الجزء المحرك للجسد، أي النخبة العلوية التي تحدد خيارات الطائفة، وليس كل أبناء الطائفة، كما أن إلحاق “العقل العلوي” في العنوان، بصفة السلطوي، يشير بوضوح إلى أن المقصود هم العلويون في السلطة، إضافة إلى ذلك، فقد أوردت في متن المقال كلامًا لا يحتمل التأويل، عن أن هذا العقل يُقسم إلى ثلاثة أطوار، الأول يمثله (محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد)، والثاني يمثله (حافظ الأسد)، والثالث (بشار الأسد)، فأين التعميم في هذا الكلام، بل أكثر من ذلك، فقد توقعت أن أتلقى هذا النقد، لذا؛ في السطر الأول من المقال، نوهت إلى أن “العقل العلوي السلطوي” هو تعبير أكثر دقة من “العلوية السياسية” للكبير صادق جلال العظم -وحاشا لله أن أنتقده أو أن أقارن نفسي به- وقد استخدمتُ تعبيره، لتفادي الوقوع في ما وقع فيه من سوء الفهم والكيدية في التأويل، ولكن دون جدوى.

التهمة الثالثة، وهي الأكثر طرافة بين سابقاتها، كانت أن صاحب المقال يحاول تبرئة السُنة، وخلقَ مظلومية لهم تجاه باقي المكونات السورية، مع أني أشرت بوضوح في المقال، إلى أن الجيش والحزب صفّوا السُنّة وقسّموهم إلى أقليات طبقيًا ومناطقيًا، وبهذا؛ لكونهم أصبحوا أقليات، فمن المُسلَّم به أن يرتبطوا بعلاقات زبائنية مع النظام. أما عن المظلومية، وهي مجموعة سرديات تتراكم زمنيًا، لتصبح تراثًا، فلا يمكن أن تكون للسُنّة؛ لسببين: الأول لأن المذهب السُني هو المذهب الحاكم للشام، منذ الفتح الإسلامي، وإن كان الحاكم من غير السُنة. الثاني رسوخ مفهوم “الجهاد” فكريًا وعقائديًا لدى غالبية أبناء المذهب، بشكل يجعل ردة الفعل على الظلم “عنفيةً” على شكل مقاومة، وليس “لطميةً” على شكل مظلومية.

التهمة الرابعة كانت “الظُلم”؛ كوني قلت في بداية المقال إن العلويين لم يمارسوا السياسة في سورية يومًا، وإنما مارسوا السلطة لخمسين عامًا، وهي تهمة لا تصدر إلا عن جاهل بالتاريخ السوري، فتاريخ الدولة السورية الحديثة، منذ التأسيس إلى حكم البعث، لا يحوي أي اسم لشخصية علوية سياسية وطنية إلا إذا كان هناك مَن يصدّق كذبة صالح العلي، أما وجود ممثلين عن الطائفة في البرلمان السوري، فلا يعني أنهم مارسوا السياسة، وهذا يُفسر بأمرين: الأول أن السياسة في سورية، قبل البعث، كانت ظاهرة مدنية، لذا اقتصرت على السنة والمسيحيين من أبناء المدن، أما العلويون فقد جرى توطينهم في المدن، بعد استحواذ حافظ الأسد على السلطة. والثاني أن “العقل العَلوي” المحرك للطائفة قبل البعث، والمتمثل بزعماء العشائر كان انفصاليًا، وليس وطنيًا، بدليل الرسائل الثلاث التي وجهها هؤلاء إلى الفرنسيين طلبًا للانفصال عن سورية، على الرغم من وجود اعتراض على السلوك الانفصالي، لدى بعض مشايخ الطائفة، عبّروا عنه مع المسيحيين من أبناء اللاذقية، برسالةٍ إلى الفرنسيين، تطالب بالوحدة مع سورية، ولكن هؤلاء المشايخ يبدو أنهم أقرب إلى حال المعارضين العَلويين اليوم، من حيث التأثير في قرار الطائفة، فعدم قيام دويلة علوية ليس ناتجًا عن رسالتهم، بل بسبب أنهم “لم يصلوا إلى مستوى حكم أنفسهم بأنفسهم، وأن عاصمتهم اللاذقية ليست علوية، وإنما سُنية وأرثوذكسية” على حد تعبير المندوب السامي الفرنسي جبرائيل بيو.

إذًا… فالمنتقدون للمقال هدفُهم الرئيس هو التعتيم على التاريخ لحساسية ما، وهذا خارج عن مسؤوليتي، فلست أنا من صنع هذا التاريخ، وفي تلك الحساسية الأقلياتية يكمن لب مشكلاتنا التي ولّدت شعورًا لدى الأكثرية بأن مفهوم الدولة الحديثة هو معادٍ لها ويستهدفها، فالتراث الإسلامي السُنّي مشاعٌ للباحثين والدارسين، بكل أحداثه وشخوصه ونقده هو “التنوير”، أما التطرّق إلى تاريخ أو عقائد باقي الطوائف فهو “طائفية”، وتمسك العربي بعروبته، ومطالبته بأن تكون هي هوية الدولة، يُعد “شوفينية”! أما الفكر القومي لدى الكرد فهو “نضال”، وتسمية كردستان هي حق مشروع، والعلمانية هي عزل السُنة عن السياسة، مشايخًا وأحزابًا، في حين أنّ تدخّل بطرك الكنيسة أو شيخ العقل مثلًا هو محمود! والحداثة -بوصفها سلسلة من الانقطاعات التاريخية- تشمل أيضًا التاريخ الإسلامي السُني بطبيعته، أما الأقليات، فلها الحق بالاتصال بتراثها وتاريخها.

هذا الفهم المشوه، لدى النُخب عمومًا، والأقلياتية منها خصوصًا، لمفاهيم الدولة الحديثة، والذي يُعد إرثًا للحقبة الاستعمارية التي نقلت تلك المفاهيم، واستخدمت الأقليات في إطار سياسة: “فرق تسد”، ضد الأكثرية هو ما خلق حالةَ عدم الثقة والتربص بين المكونات السورية، بشكل منَع تشكل هوية وطنية جامعة، وسهّل لحافظ الأسد مهمةَ تحويل سورية، بتاريخها وحضارتها، إلى “سورية الأسد” الدولة المتوحشة؛ لذا فإن أي محاولة للمصالحة بين المكونات السورية لا بد أن تمر بالمصارحة أولًا، واعتراف كل مكون بأخطائه التاريخية وليس التعتيم عليها والتنصل منها، فالجميع شركاء بتاريخهم وعقائدهم في المآلات التي وصلنا إليها، فإن كان المذهب السنّي يحتوي على ما أنتج (داعش)؛ فإن جميع المذاهب الأخرى تحتوي على ما هو مماثل، وآل الأسد وطغمتهم المجرمة من أبناء الطائفة العلوية هُم أيضًا نتاج تاريخ وعقيدة، تحرض على كراهية الآخر، وواجب الوطنيين من أبناء الطوائف السورية قاطبةً -اليوم- هو الخروج من الحالة الباطنية، وإخراج هذا العفن التاريخي والعقدي من الظلام إلى الشمس، وإلا؛ فهذا العفن سيظل ينبت ظاهرة حافظ الأسد بأسماء أخرى.