سراب الحلفاء

 

في لقاء تشاوري، مع مجموعة من السوريين من مختلف المشارب، تطرّقتُ -ناقدًا- إلى نوعية وحجم المراهنة من قِبل بعض القوى السياسية الكردية على الدعم الأميركي تارة، والروسي تارة أخرى، في سبيل الوصول إلى أهداف حقوقية وسياسية، تسعى إليها كل شعوب المعمورة. وقد أشرتُ إلى أن التجارب التاريخية -القريبة على الأقل- قد علّمتنا، أو هي حاولت، أن نستخلص حقيقة شبه دامغة، تُشير إلى أنّ الاستخدامات الدولية للصراعات أو المواجهات أو المطالبات الإقليمية، كانت غالبًا ما تصل إلى نقطة تتخلّى في إثرها، عمن اعتقد أنه حليف محميٌ ومُميّز. مشيرًا بالتالي إلى ضرورة التوفيق، بين العمل السياسي المعتمد على الأنصار اللحظيين، والعمل السياسي المعتمد على بناء أسس بعيدة الأجل، في علاقات المصالح التبادلية.

لم يكن في هذا الكلام -من وجهة نظري على أقل تقدير- أيُّ حكم قيمةٍ أو محاولة إدانة وانتقاص، بل كنت أعتقد -ولم أزل- أن وجهة النظر هذه تنسحب على مجموع القوى “الناشطة” على الساحة السياسية والعسكرية المحلية والإقليمية، ومن مختلف الإثنيات والأديان والطوائف؛ حيث سعت أمّات الكتب المؤسسة في العلاقات الدولية لإثبات أن وضع كل البيض في سلة واحدة فعلٌ سياسيٌ غير محمود. كما أن الاعتقاد أنه تم اختيارنا حلفاء وشركاء، نحن دون سوانا، لجمال أعيننا أو لبريقٍ ما فيها، هو اعتقاد مُجانب للصواب أبدًا. وقد أشرتُ بوضوح إلى أن الملف الكردي قد استُخدم مرّات عدة، بصورة أساءت إلى طموحات الشعب الكردي المشروعة. بالابتعاد عن الخوض في التاريخ البعيد، فبمجرد الرجوع إلى الاتفاقات التي أدرجت قيام دولة كردية في بنودها، والوعود التي انهمرت بغزارة نسبية على الكرد، للحصول على حكم ذاتي؛ يُمكننا أن نتبيّن أن عدم تنفيذ أو احترام أي منها يجب أن يدفع الكردَ إلى التعلم من دروس التاريخ القريب، والحذر من تصديق وعود “الحلفاء”.

جُوبهت ملاحظتي هذه بردة فعل غاضبة نسبيًا، من صديقٍ كرديٍ، يُمثّل تيارًا سياسيًا يهيمن عسكريًا على المشهد الكردي، واعتقدَ الصديق أنني أوجه إهانة شبه عنصرية لجموع الكرد، وذلك بالاستناد إلى تحليله أو استنتاجه لكلامي سابق الذكر. وأشار إلى أنني، من خلال ملاحظتي تلك، قد استسهلت الموقف الكردي (وهل من موقف موحّد!) وأنني اعتبرت أن الكرد هم “أدوات” تُسيّرها إرادات القوى الدولية. كما أطنب بأن هذه النظرة “العنصرية” للكرد صارت من قديم الخطاب، وصار حريًّا بنا أن نطور خطابنا، عند التطرق الى المسألة الكردية والمآلات السياسية والعسكرية والثقافية للشعب الكردي. وفي حمأة ما ورد، أراد الصديق أن يُشير إلى أن الخيارات الاستراتيجية للكرد -أو بالأحرى من يتحكم بهم سياسيًا وعسكريًا- تستند إلى تحليل عميق للمشهد الجيوسياسي الإقليمي والدولي، وبأن التحالفات التي ينسجونها تعتمد أولًا وأخيرًا على معايير خدمة المصلحة الوطنية للشعب الكردي.

ردة الفعل هذه طبيعية في شقّها التبريري، فعلى الرغم من الخيبة الكبرى القائمة لدى الكرد، منذ اتفاقات بداية القرن المجهضة، إلا أن ما جرى -إقليميًا- منذ إقرار “الحماية” الأميركية/ الغربية لشمال العراق بداية تسعينيات القرن الماضي، إلى الدعم الأميركي/ الغربي لإقليم كردستان العراق طوال سنين، دفَع بعض المؤثرين في القرار الكردي إلى الاعتقاد أن التاريخ سينصفهم، وأن الحلفاء الجدد لن يكونوا، كمن سبقهم، مجرد بائعي وهمٍ ووعود. ولم يقرأ القائمون على الملف من الكرد مختلف التجاذبات والتناقضات التي تملأ وعاء العمل السياسي الحليف في المنطقة وفي سواها. وأهم ما فاتهم هو أن الحليف الأميركي “الجميل”، لديه تراتبية في أهمية الحلفاء. فواهمٌ من يعتقد أن واشنطن على خلاف جذري مع الحليف القديم والمهم في أنقرة.. وواهمٌ أيضًا من يظن أن الأميركي سيتخلى عن التركي، ويُهمل مخاوفه ومصالحه، مقابل المساعدة في تأمين الحقوق المشروعة لأيٍ من مكونات المنطقة. كما من الضعف السياسي عدم قراءة الدعم شبه غير المشروط من قِبل العم سام للحكومات العراقية المتعاقبة، منذ سقوط الطاغية صدام، والمترافق مع رضا وسيطرة إيرانية شبه كاملة على صنع القرار العراقي، في ظلّ “ملشنة” القوات المسلحة وقيادتها من قبل جنرالات طهران.

لقد كان الوهم عراقيًا متجاوزًا للمعقول، حيث أجهضت واشنطن، قبل بغداد، الحلمَ الكردي بموقفها من الاستفتاء المجهض، وإن كان غير مدروس العواقب. ووصلت الميليشيات العراقية الطائفية والنظامية إلى بعد 50 كم من أربيل، بعد أن سيطرت على كركوك: أهم مصادر الدخل النفطي للإقليم الكردي.

يحلو للكرد القول، بمرارة صادقة ومشروعة، “أن لا صديق لهم سوى الجبال”. والسوريون الذين غرقوا في وعود “أصدقاء سورية” يمكن أن يُكرروا التعبيرَ نفسه، بمعايير جغرافية مختلفة. ولكن، لا جديد تحت الشمس، إنها السياسة والعلاقات الدولية المبنية على المصالح المتبادلة والمتبدّلة، كما التاريخ الذي لا ينفك يُذكرنا بالواقع وبالوقائع.

في سورية، يستمر “الوهم” الكردي بحليفٍ روسيٍ آنيٍ، سيتخلى عنهم في وقت قريب، أقرب مما يتوقعون، عندما يصل إلى تحقيق هدفه من دعمهم.