المعارك تُحسم.. فماذا سيفعل الأكراد الآن!

 

كان طموح حزب “الاتحاد الديمقراطي الكردي”، بل أحزاب المجلس الوطني الكردي، أن يُحققوا ما حلم به السيد مسعود برزاني ذات يوم! أي الفيدرالية وربما الكونفدرالية؛ لكن برزاني أخطأ الحسابات كثيرًا؛ وكانت النتيجة تخليًا دوليًّا عنه وتكالبًا إقليميًا عليه، وتخوفًا من السليمانية دفعها إلى التعاون مع إيران، وهو ما سهّل تراجع -ولن أقول اندحار- (البيشمركة) عن كل المناطق المتنازع عليها، وما زالت التنازلات مستمرة من “حكومة” إقليم شمال العراق، وليس آخرها مطالبة حكومة بغداد “الشرعية”، بدفع أجور الموظفين في تلك الحكومة، مقابل التنازل عن كل شيء في الإقليم (نفط، مطارات، حدود وغيرها). إذا كان المثال قد “سقط”؛ فماذا سيفعل (حزب الاتحاد الديمقراطي) الكردي والأحزاب الكردية الأخرى، والمتوهمون أن حقوق الكرد في سورية تتجاوز المواطنة وإدارات محلية هناك وهناك، وضمن إطار نظام يعتمد اللامركزية!

نعم، ما حصل في العراق يُقدم درسًا للكرد ولسواهم في سورية: أن حقوق القوميات لا يمكن الوصول إليها دون توافقاتٍ مع القومية الأكبر وأقصد العربية، وأن حكاية التبعية للدول العظمى والإقليمية ستعود عليهم بأكبر الكوارث؛ فلا ورثة الطالباني سيستفيدوا من إيران، ولا مسعود استفاد “استقلالًا عن العراق” من تركيا.

يختبئ صالح مسلم وحزبه و(قوات سورية الديمقراطية) تارةً خلف الأميركيين، وتارةً خلف الروس؛ وبسبب نهاية الحرب في مدن سورية الشرقية، وإغلاق أحلام الفيدرالية، فإن أميركا وروسيا متفقتان على دولة واحدة في سورية. الفكرة الأخيرة مركزية في الوعي الشعبي والمعارض في سورية، وبالتالي؛ ما تحتمله الفيدرالية، من نزوع أقرب إلى الحكم الذاتي أو الاستقلال ضمن الدولة السورية، كما كان حال إقليم شمال العراق قبل “استفتاء برزاني”، أصبح محض خيال.

الكرد في سورية معنيون بفهم الدرس العراقي، وبناء رؤية سياسية جديدة، تنطلق من سورية كوطن موحد لقضاياهم القومية، وليس تسخير الوطني لصالح القومي، كما فعل العرب طويلًا وفشلوا في الأمرين معًا. العقل القومي الآن: إمّا أن ينطلق من الوطني، فيحقق الكثير في الطريق نحو القومي ودولة الأمة يومًا ما، وإمّا أن يرهن ذاته للدول العظمى وسيتم التخلي عنه في حسابات المصالح؛ وحينئذ سيجد نفسه مجدّدًا أمام واقعه الخاص ودون غطاءٍ دولي أو إقليمي؛ العرب والكرد وسواهم في سورية معنيون بفهم الملاحظة السابقة.

ستنتهي الحرب في شرق سورية، وسيكون هناك مناطق تحت سيطرة الروس، ومناطق تحت سيطرة الأميركيين. الأكراد سيكونون من حصة الأميركيين، المشكلة معهم في شكل السيطرة، فهي تتعمد تغليب الكرد على بقية القوميات، وإذا ما أضفنا ما حاوله صالح مسلم من تشكيل جيش وشرطة وتعليم وإدارات، والتي شُكلت في سياق نزعة قومية رافضة للعرب، وإصرار كردي على مساواة الكرد مع العرب بالمعنى القومي، وليس بمعنى المواطنة، وهذا يعني تشكيل هوية سياسية مستقلة بالكامل، وهو طموح يقارب تشكيل ما يشبه دويلة كردية ومستقلة ومهيمنة على بقية المكونات القومية. كثيرٌ من ممارسات (حزب الاتحاد الديمقراطي) الكردي، في الحسكة ومناطقها أو الرقة، عنصريةٌ، وضد العرب لأنّهم عرب.

الخلاص من (داعش)، كي لا تتعزز صراعات الهوية القومية، يفرض على (ب ي د) تراجعًا كاملًا عن كل المناطق ذات الغالبية العربية، ودفع الأهالي إلى تشكيل مجالسهم المحلية، وليس كما فعل (ب ي د) من تشكيل مجالس تابعة له، وهو ما تكرّر في كل المناطق التي هُزم فيها (داعش). فكرتنا هذه ستُعزز الثقة بين القوميات في سورية، وستنتج وعيًا عربيًا مناصرًا لحقوق الكرد، يتفهم قضاياهم، ليس في سورية فحسب، بل في كل الدول المحيطة بسورية.

لن يفهم صالح مسلم هذه المعادلة. إن مشكلته الآن أن “الكرة” في ملعبه، أي هناك عرب وسريان وأرمن وشركس وكلدان في المناطق التي تسيطر عليها قواته، وتلك القوميات هي الأكثرية، ووفقًا لشكل التعامل الأوجلاني، ستتحدّد العلاقة مستقبلًا بين هذه القوميات، أي أن الأميركيين أو الروس لن يظلوا إلى الأبد هنا أو هناك، وبالتالي هناك جولات قادمة، ولن تكون لصالح الكرد بالتأكيد، لننعم النظر عميقًا بشمال العراق.

هناك مؤشرات على حلّ سياسي قادم؛ المحاولات الروسية من أسفل للوصول إليه لن تجدي نفعًا، فمحاولاتهم تجاهل حقوق السوريين، وإعادة إنتاج النظام، فاشلة بالكامل، وأيضًا محاولات المعارضة التمسك بكل شيء أو لا شيء أيضًا، أصبحت خارج الممكن. الممكن هنا هو تحديد دقيق لما يراد من تغييرٍ في النظام وقادته والدولة، وبما يشمل كل مؤسسات الدولة وسياساتها.

سورية -إذا ما حصل حلّ سياسي- معرضةٌ لاحتلالات متعدّدة، وأشدها كارثية الروس والأميركيون، وبالدرجة الثانية الاحتلال الإيراني والتركي، وبالتالي لا معنى لحركات سياسية كردية أم عربية، لا تنطلق من هذه الحيثية، ودون التفريط بالحقوق الثقافية للقوميات المتمايزة، ويعد تجاهلها والعمل مع الروس أو الأميركيين، وضد الآخر أمرًا كارثيًّا، وليس كما تمّ إلى لحظتنا الراهنة من “تقسيم” أميركي وروسي، لشرق سورية وشمالها، بل سيكون هناك حروب مستقبلية على الأساس القومي بين الكرد والعرب بصفة خاصة.

“تحرير” مدن الشرق يُسقط حجة التسليح والحرب ضد (داعش)، وهذا يفرض إعادة السلاح إلى “الدولة”، وإنهاء حالة الفصائل المسلحة أيضًا؛ طبعًا هذا لن يتحقق دون حل سياسي، يضمن للناس حقوقهم في كافة المناطق، وبما فيها حقوق أفراد الفصائل المعارضة وإشراكهم في الجيش الوطني الجديد. الكرد -كما الفصائل كلها- معنيون بتوحيد مواقفهم من أجل لعب دورٍ سياسي ضاغطٍ على كافة الدول؛ من أجل الحل السياسي وضمان مصالحهم فيه. هذه الفكرة غير قابلة للتطبيق كما يبدو؛ فالفصائل العربية بأغلبيتها مُسيطر عليها تركيًا أو رافضة لحزب (ب ي د) وسياساته، ومن جانب آخر، الأكراد مناهضون بالكامل لتركيا وتابعون للأميركيين بمعركتهم ضد الإرهاب، ولكن أيضًا ضد العرب، هنا الإشكال الأكبر!

أعتقد أن على الكرد أن يتفهموا أن المنطلق الأساسي لسياساتهم الآن والمستقبل هو المواطنة الكاملة، والحقوق الثقافية وإدارات محلية هنا وهناك، وليس أكثر من ذلك، وبالتالي ستكون حقوقهم السياسية هي الحقوق السياسية ذاتها للعرب. التنوع القومي السوري في كافة المدن والمناطق هو ما يمنع التفكير العقلاني الاستمرار “بالثرثرة” عن حكاية الفيدرالية، والتركيز على حكومة لا مركزية، وممثلة لكل المدن السورية؛ توزع السوريين وفقًا للجغرافية والديموغرافية يقتضي البحث عن مشتركات سورية لا تنطلق من الهوية القومية، وبما يضمن حقوق كافة القوميات.