سورية تتراجع.. بيئة أعمال طاردة

 

تراجع ترتيبُ سورية في تقرير ممارسة أنشطة الأعمال 2018 الذي تصدره مجموعة البنك الدولي في كل عام، درجةً جديدةً، مقارنة بعام 2017. إذ حلّ مركزها بالمرتبة 174 عالميًا، مقابل المرتبة 173 العام الماضي. فيما حافظت على مركزها الـ 19 عربيًا، في دلالة واضحة على تراجع قدراتها -بخلاف ما يروّج نظام الأسد- في مجال توفير بيئة أعمال مناسبة للمشاريع الجديدة والقائمة.

سبقت صدور التقرير تصريحاتٌ رسمية، كشفت عن رؤية خاصة لوزارة “اقتصاد” النظام، زعمت خلالها أنها تساعد قطاع الأعمال على تفعيل شراكاته، وتضع المشاريع الاستثمارية، في مقدمة اهتماماتها، عبر جذب استثمارات صناعية ومنشآت إنتاجية، إلى قطاع المناطق الحرة، الذي سيشهد -بحسب المصدر- إقامةَ مناطق حرة خاصة أو تخصصية متطورة.

لكن التراجع المستمر الذي يشهده ترتيبها، ضمن المعايير العشرة لجودة وسهولة ممارسة أنشطة الأعمال: (بدء النشاط التجاري، استخراج تراخيص البناء، الحصول على الكهرباء، تسجيل الملكية، الحصول على الائتمان، حماية المستثمرين الأقلية، دفع الضرائب، التجارة عبر الحدود، إنفاذ العقود، تسوية حالات التعثر)، يؤكد من جديد مغالاة نظام الأسد، في الصورة التي يصدرها عن تعافي اقتصاده، ونمو بيئة الأعمال والاستثمار والتجارة، كواحدة من إنجازات عديدة (كما يذهب إلى ذلك أركان حكومته)، حصَد نتائجها، بعد أن تغلب على خصومه، في الحرب التي يشنها منذ سبع سنوات.

يعكس ترتيب سورية الراهن على المؤشر، بحسب الخبير الاقتصادي أحمد المسالمة، مجملَ الأوضاع التي فرضتها الحرب على الصعيد الداخلي. يقول المسالمة لـ (جيرون): شيوع الفوضى، واستشراء الفساد في جسم الدولة، على خلفية تجنيد كل الطاقات من أجل الحرب والحفاظ على السلطة، أدى إلى تراجع سهولة ممارسة أنشطة الأعمال، وتضرر بيئة المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي يركز التقرير عليها، في ظل عدم وجود إصلاحاتٍ، من شأنها أن تحسن بيئتها. وأشار إلى أن غياب الحكم الرشيد، خلال نصف قرن، أثّر في الاقتصاد والاستثمار والإنتاج معًا، وجاءت الحرب لتخلق ظروفًا أكثر سوءًا، مكنت نخبةً، التقت مصالحها مع السلطة، من مصادرة كل نشاط لا يعود إليها بالفائدة. ومع غياب الشفافية والقانون والمساءلة، وبالتالي غياب الثقة بالدولة، تحولت بيئة الأعمال إلى بيئة طاردة، باعتراف رجال الأعمال السوريين الموالين أنفسهم، قبل غيرهم. ولذلك بقيت سورية تعاني من مشكلات مزمنة تحت حكم الأسد، ليس أولها اختصار الدولة بالنظام، ولا آخرها تدهور بيئة الأعمال، لكنها مجتمعة تمثل إدارة البلد بعقلية صاحب المزرعة”.

وتسيطر -اليوم- على معظم الأنشطة الاقتصادية والتجارية في البلاد، نخبةٌ صاعدةٌ، ربطتها علاقات وطيدة مع النظام، استفادت من أجواء الحرب، في تنمية أموالها، واحتكرت مدخلات الإنتاج وعائداته، فضلًا عن سيطرتها الكاملة على مختلف الصفقات التجارية التي يحتاج إليها السوق المحلي، بشكل مباشر أو غير مباشر، وهو الأمر الذي أدى إلى زيادة التضخم، وارتفاع حجم الديون الخارجية، والانسحاب التدريجي للرأسمال الوطني، وتراجع الملاءة المالية للشركات والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وإغلاق بعضها، بعد أن انعدمت بيئة المنافسة.

إضافةً إلى سورية، يلحظ التقرير تراجع بيئة أنشطة الأعمال في تونس ومصر، مقارنة بالعام 2017 حيث خسرت تونس 11درجة، ومصر  6درجات، فيما بقي ترتيبهما العربي متفوقًا على مركز سورية الذي تراجع مؤشرها. بينما تقدمت ليبيا إيجابيًا ثلاث درجات على المستوى العالمي، بعد أن سجلت تطورًا في معياري بدء النشاط التجاري والحصول على الكهرباء.

كما يُقَيّم الأنظمة التي تعزز النشاط التجاري والتي تعوقها، وفق مؤشرات يمكن مقارنتها مع 190 اقتصادًا، تمتد من أفغانستان إلى زيمبابوي. حيث يستخدمها في تحليل النتائج الاقتصادية، وتحديد الإصلاحات في قطاع أنشطة الأعمال، وتحديد مكانها وسبب نجاحها أو فشلها.

أورد التقرير، تحت عنوان (الإصلاح لخلق فرص العمل)، أن رجال الأعمال في 119 اقتصادًا، شهدوا تحسينات في الإطار التنظيمي المحلي، العام الماضي، حيث جرى توثيق نحو 264 إصلاحًا تجاريًا على المستوى العالمي، حدّت من تعقيد وتكاليف الإجراءات التنظيمية، في مجال بدء الأعمال التجارية والحصول على الائتمان. منها 29 إصلاحًا، في 13 بلدًا من اقتصادات المنطقة العربية، حلت جيبوتي في مقدمتها، بعد أن تربعت ضمن أفضل عشرة بلدان في تحسين بيئة الأعمال على مستوى العالم.

في السياق ذاته، نفذت بعض الدول العربية إصلاحات، عززت من إجراءات حماية المستثمرين أصحاب الحصص القليلة، ودورهم في القرارات الرئيسية (السعودية، مصر)، وإلزام الشركات بزيادة الشفافية، وتنظيم الإفصاح عن المعاملات مع الأطراف المعنية (السعودية). علاوة على إصلاحات شملت تحسين كفاءة نظام إدارة الأراضي، وتبسيط إجراءات تسجيل الملكية دون تكلفة، وتقوية اللوائح الخاصة بالرقابة على جودة البناء، وتقليص الوقت اللازم لاستخراج رخص البناء (الإمارات)، وتحسين النظام الإلكتروني الخاص بالإقرارات، ودفع الضرائب (المغرب)، وتحسين إمكانية الحصول على الائتمان (الأردن والعراق)، وتطبيق قانون جديد للمعاملات المشمولة بضمانات فلسطين.

بلغ إجمالي عدد الإصلاحات التي نفذتها الإمارات في بيئة الأعمال 33 إصلاحًا، تلاها المغرب 31 إصلاحًا. وهما أكبر الإصلاحات عربيًا. ويقر التقرير بجودة أداء المنطقة في مجالات استخراج تراخيص البناء والحصول على الكهرباء وتسجيل الملكية ودفع الضرائب. إلا أنها بقيت متخلفة في مجالات الحصول على الائتمان والتجارة عبر الحدود، وتسوية حالات الإعسار.