حدود الحل الروسي للقضية السورية

 

استند موقف روسيا المؤيد للنظام، منذ الأيام الأولى لاندلاع التظاهرات في سورية -حسب معظم التقديرات- إلى ردّ الاعتبار لها كدولة عظمى، بعد استفراد الغرب بالموضوع الليبي، واستمرار بيع الأسلحة للحلفاء، وضمان عدم منافسة الآخرين، في ما يتعلق بإمداد أوروبا بالنفط والغاز الروسيين، فضلًا عن أهمية القاعدة البحرية في طرطوس من أجل تموين الأسطول الروسي في البحر المتوسط. في تلك البدايات، تداولت أوساط “المجلس الوطني السوري” معلوماتٍ، حول محاولة بعض الدول الخليجية شراء الموقف الروسي، وتقديم ضمانات لروسيا بتأمين مصالحها في سورية، في حال انتصرت الثورة، لكنّ ذلك كان مجرّد أوهام، وإن الموقف الروسي كان أبعد مدًى، واستراتيجيًا بامتياز.

خلال سنوات المأساة السورية، استخدمت روسيا حق الفيتو في مجلس الأمن، تسع مرات، كان الفيتو الأول بتاريخ 5 تشرين الأول/ أكتوبر 2011 ضد قرار أممي يدين النظام لانتهاكه حقوق الإنسان خلال قمع الانتفاضة، فيما كان الفيتو الأخير بتاريخ 24 تشرين الأول/ أكتوبر 2017 ضد التمديد للجنة التحقيق باستخدام الأسلحة الكيميائية في سورية. وفي مطلع خريف عام 2015، فاجأ الروس الجميع، ربما باستثناء الأميركيين، بتدخلهم المباشر في سورية. بدايةً، رفض الأميركيون التدخل الروسي بنعومة، واعتبروه إطالة لأمد الحرب، لكنهم سارعوا إلى التنسيق مع الروس، تفاديًا لحدوث صدامات غير مقصودة في الأجواء السورية.

مؤخرًا، دعت روسيا إلى عقد مؤتمر “الشعوب السورية” في قاعدة حميميم، ومن ثمّ أعلنت عن نقله إلى مدينة (سوتشي) على ساحل البحر الأسود، وحددت موعد انعقاده بتاريخ 18 من الشهر الحالي، كما غيّرت اسمه إلى مؤتمر “الحوار الوطني السوري”، بعد صدور العديد من الانتقادات حول مصطلح “الشعوب السورية”. ومنذ ثلاثة أيام، أعلن ناطق باسم الرئاسة التركية أن الروس أبلغوهم بتأجيل المؤتمر حتى إشعار آخر، وبعدم دعوة (حزب الاتحاد الديمقراطي) إليه.

كانت وزارة الخارجية الروسية قد نشرت قائمة بـ 33 حزبًا وهيئة سياسية معارضة، من أجل دعوتها إلى حضور المؤتمر، معظمها محدود الوزن والتمثيل، علاوة على وفد من النظام. ولم تخفِّف التصريحات الروسية اللاحقة حول النية بإجراء تعديلات على قائمة المدعوين من حقيقة ضحالة التمثيل المزمع في هذا المؤتمر، واقتصر جدول الأعمال على مناقشة “الدستور السوري” الذي وضعته، وسرّبته روسيا في الشهر الأول من هذا العام.

بعيدًا عن نكتة مناقشة “الدستور السوري” في عدة أيام، تريد روسيا طهو طبختها على نار حامية، وتشكيل مسار سياسي جديد خاص بها في (سوتشي)، بعد أن رسم مؤتمر أستانا خطوطَ الصراعات العسكرية على الأرض، وأقام مناطق خفض التصعيد بالتعاون مع الولايات المتحدة وتركيا وإيران؛ وبذلك تطوي روسيا -عمليًا- مساري جنيف 1 وجنيف 2، اللذين أكّدا على مرحلة انتقالية وإجراء تغيير سياسي تدريجي في سورية.

ما الذي يمكن أن تقدمه روسيا للسوريين على الصعيد السياسي؟

يشبه الواقع السوري الحالي واقع ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، بصورة ما، حيث تحول القسم المحتل من قبل الاتحاد السوفييتي إلى ألمانيا “الديمقراطية” أو الشرقية، في حين اتحدت الأقسام الثلاثة، المحتلة من قبل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، باسم ألمانيا الاتحادية أو الغربية. وروسيا التي ورثت الاتحاد السوفييتي إلى هذه الدرجة أو تلك، لم تزل بعيدة عن أن تكون دولة ديمقراطية، ولا يمكن أن تنتج جهودها في سورية نظامًا سياسيًا مختلفًا، بل نسخة أكثر تخلفًا من نظامها، أو، بكلام آخر، مجرد تحديث للنظام الحالي، سواء في عموم سورية إن استفردت بالحل، وهذا أمر غير واقعي، أو في المنطقة الغربية التي تسيطر عليها إلى جانب النظام.

من جهة ثانية، سيكون اقتصاد المافيا هو النموذج الأكثر ترجيحًا وحضورًا في منطقة نفوذ الروس، ولن يتغير الكثير في هذا الصدد. كما سيضفي النفوذ الإيراني، في المنطقة التي تسيطر عليها روسيا، مظاهرَ تتعلق بنشر مؤسسات التشيع ومظاهره الدينية والاجتماعية، إن لم تحدث تطورات تضع حدًا لطموحات إيران المتزايدة، فمواجهة الإسلام السياسي السني لا يمكن أن تنجح، من دون مواجهة نظيره الشيعي والأحلام الإمبراطورية الإيرانية من ورائه. نشير هنا إلى أن الخطوات الأميركية الأخيرة للتضييق على إيران وامتداداتها الإقليمية، فضلًا عن دلالة استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، قد تؤشر إلى قيام الحلف المناهض لإيران، بمحاولات جدية لوقف التمدد الإيراني في المنطقة العربية، وإن كانت المؤشرات الداخلية السعودية هي السبب المرجح وراء استقالة الحريري.

عمومًا، يمكن القول إنّ ما سيحدث في “سورية الغربية” هو استمرار الشراكة بين روسيا وإيران والنظام الحالي، حسب الحاجة والمصلحة. هذه الحالة لن تكون قابلة للحياة على الأرجح، وربما سيفضي التباين المتزايد مع واقع المناطق السورية المجاورة إلى انهيارها، كما حدث لألمانيا الشرقية عام 1989. كما تتمثل نقطة الضعف في هذا السيناريو، لحسن الحظ، بضعف استقرار النظامين السياسيين في روسيا وإيران، وتأثير تغير السياسات في أي من هذين البلدين، أو في كليهما، على تحقُّقه.

في المقابل، ستكون المناطق الشمالية الشرقية، الواقعة تحت النفوذ الأميركي، مفتوحةً أمام الاستثمارات الأجنبية كامتداد للاقتصاد الليبرالي الغربي؛ ما سيساهم في سرعة تطورها واندماجها مع فعاليات الاقتصاد العالمي (منذ الآن، بدأ الحديث عن إعمار الرقة من قبل مستثمرين سعوديين بتوجيه أميركي). في حال تحقق هذا السيناريو، ربما ستكون البادية السورية ممرًا أميركيًا لوصل المناطق الشمالية الشرقية بالمنطقة الجنوبية الغربية، هذا ما يمكن استنتاجه من احتفاظ الأميركيين بقاعدة (التنف)، التي لا يمكن أن تقتصر وظيفتها على إعاقة وصول الإيرانيين إلى دمشق، ما دام منفذ (البوكمال) الحدودي مع العراق مفتوحًا.

ولن تخرج المناطق الخاضعة للنفوذ التركي في الشمال السوري، عن النموذج السياسي والاقتصادي السائد في هذا البلد، وكأن التاريخ يعيد نفسه في ما يتعلق باجتياح الأتراك لشمال جزيرة قبرص في عام 1974، وإنّ حكومة “الإنقاذ الوطني” و”الجيش الوطني” اللتين أُعلن عنهما مؤخرًا في مدينة إدلب، هما -على الأغلب- مجرد تسميتين مخادعتين أخريين لنيّة تركيا اقتطاع هذه المحافظة، بعد جيب إعزاز، ما لم يتم الوقوف في وجه الطموحات التركية أو تحقيق تسوية سياسية مقبولة، بالنسبة إلى جميع السوريين، فالخطر التركي يتمثل بقضم الجغرافية السورية كأمر واقع، في حين لا يمكن للدول الأخرى ذات النفوذ في الأرض السورية القيام بذلك؛ بسبب عدم وجود حدود مشتركة.

يرتبط تحقق السيناريوهات السابقة أو فشلها، باستمرار التحالفات الدولية الحالية أو تغيرها، وباستعادة “الوعي السوري” أو استمرار غيابه؛ ما يترك المجال مفتوحًا لإعادة إنتاج سيناريو سوري آخر في المستقبل، وبما يشبه توحيد ألمانيا في 3 تشرين الأول/ أكتوبر عام 1990، بعد تفكك المنظومة الشرقية للاتحاد السوفييتي.