إيران في دائرة الاستهداف الأميركي

 

منذ إعلان الرئيس الأميركي عدم طلبه من الكونغرس تصديق الاتفاق النووي مع إيران (13/ 10)؛ تزايدت التصريحات المتشددة، الصادرة عنه وعن عديد من أركان إدارته، بخصوص وضع مزيد من القيود على الاتفاق المذكور، وحث الدول الأوروبية على اتخاذ موقف مماثل ضد إيران، وحتى الامتناع عن توطيد العلاقات الاقتصادية معها، وصولًا إلى التوجه نحو فرض مزيد من العقوبات عليها، وعلى الميليشيات التابعة لها، ولا سيما “حزب الله” اللبناني، وهي الأمور التي باتت موضع اهتمام فعلي في الكونغرس الأميركي، في الأسبوعين الماضيين؛ ما نجم عنه استصدار أربعة مشاريع قوانين عن مجلس النواب الأميركي، ينتظر رفعها إلى مجلس الشيوخ لمناقشتها، ثم إلى الرئيس لتصديقها.

يستنتج من ذلك أن إيران باتت في إطار الاستهداف الأميركي، وأن فترة السماح الأميركية لإيران، أو فترة الاستثمار الأميركي بإيران في المنطقة، قد انتهت، وهو ما تحدثت عنه في مادة سابقة هنا قبل أسبوعين (16/ 10)، إذ أضحت معظم مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة الأميركية تركز على الخطر الإيراني، ليس في منطقة الشرق الأوسط فحسب، وإنما في ما يخص الأمن القومي الأميركي مباشرة.

من متابعة التصريحات والمواقف الأميركية؛ يتضح أن رؤية الرئيس دونالد ترامب لإيران تقوم على عدة محددات: أولاها، اعتبار إيران مسؤولة عن نشر الموت والدمار والفوضى في العالم، بدلالة احتلال السفارة الأميركية في طهران (1979)، وتفجير السفارة الأميركية في بيروت مرتين (1983 و1984)، وقتل 241 جنديًا أميركيًا في ثكناتهم في بيروت (1983)، وقتل 19 جنديًا أميركيًا في تفجير لمساكنهم في السعودية، وتنظيم عمليات ضد القوات الأميركية في العراق. وثانيتها، اعتبار إيران أكبر داعم للإرهاب في العالم، وضمن ذلك اتهامها بمساعدة تنظيم “القاعدة” وحركة طالبان في أفغانستان، و”حزب الله” في لبنان وشبكات أو منظمات أخرى تعتبرها الولايات المتحدة إرهابية. وثالثتها، الاعتقاد أن إيران تطوّرُ وتنشر صواريخ تهدد القوات الأميركية وحلفاءها، وأنها تضايق السفن الأميركية وتهدد حرية الملاحة في الخليج العربي والبحر الأحمر. ورابعتها، اعتبار أن النظام الإيراني يقمع مواطنيه، ويوقد العنف في العراق وفي اليمن وسورية، وأنه يدعم الأعمال الوحشية للنظام في سورية. وخامستها، التأكيد أن إيران تتعاون مع كوريا الشمالية في مجال التسلح. وسادستها، النظر إلى الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة أوباما (بالشراكة مع حلفائها الأوروبيين) مع إيران، من أسوأ الاتفاقات في تاريخ الولايات المتحدة، كونه يؤجل تمكين إيران من السلاح النووي بدلًا من أن يضع نهاية له.

يتبين من تلك القائمة أن التوجهات الأميركية ضد إيران تأتي بمفعول رجعي، أي لا تتعلق بالسياسات الإيرانية الحالية فحسب، وأنها لا تنبع فقط من التخوف من امتلاكها السلاح النووي مستقبلًا، ولا من إشاعتها الاضطراب والتصدع الدولي والمجتمعي في بلدان الشرق الأوسط، وإنما هي تنبع، أيضًا، من أسباب أميركية بحتة، تخص الأمن القومي الأميركي مباشرة، كما هو واضح. بل إن إدارة ترامب، في هذا السياق، باتت تروج لفكرة تقول: “كما مع كوريا الشمالية، كلما تجاهلنا خطرًا معينًا؛ أصبح هذا الخطر أكبر”.

أما مرتكزات السياسة الأميركية التي تصبّ في مواجهة النظام الإيراني، فهي تنطلق، أولًا، من ضرورة تشكيل جبهة من الحلفاء لوضع حد لتوجه إيران إنتاج أسلحة نووية، أو أسلحة صاروخية بالستية. ثانيًا، تقليم أظافر إيران، وتقييد قدرتها، وتحجيم نفوذها الإقليمي، وضمن ذلك إضعاف قدرتها على زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، ودعم الجماعات الميليشياوية الإرهابية. ثالثًا، فرض عقوبات على النظام الإيراني واتخاذ الإجراءات التي تحد من قدرته على تمويل أنشطة تلك الجماعات.

على هذه الخلفية، جاء تصويت مجلس النواب الأميركي (الخميس الماضي) على عدة مشاريع قرارات موجهة ضد النظام الإيراني وسياساته وتوابعه، ومن المهم هنا التنويه إلى أن ذلك حصل بأغلبية 423 من أصل 435 من الأعضاء، وذلك تمهيدًا لطرحها على مجلس الشيوخ، وبعد ذلك تصديقها من الرئيس، وتاليًا إصدارها على شكل قوانين، ما يوضح المناخ السائد لدى المشرعين الأميركيين ضد إيران، وأن هذا يشمل مطالبة الولايات المتحدة من حلفائها الالتزام بإصدار مثل هذه العقوبات.

مثلًا، ثمة مشروع قرار ضد برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، وهو ينصّ على فرض عقوبات على الهيئات الحكومية الإيرانية التي تعمل في مجال تطوير ودعم برنامج الصواريخ الباليستية (التي تحمل أسلحة نووية) والأسلحة التقليدية، والكيانات الأجنبية التي توفر المواد اللازمة لهذا البرنامج أو تسهلها أو تمولها، والأشخاص الأجانب والوكالات الحكومية الأجنبية التي تستورد أو تصدر أو تعيد تصدير الأسلحة المحظورة أو المواد ذات الصلة من إيران وإليها، وعلى أي أشخاص أو كيانات تنقل السلع والتكنولوجيات التي تسهم في دعم قدرة إيران على حيازة أو تطوير الصواريخ الباليستية، بما في ذلك تكنولوجيا الإطلاق، وفرض عقوبات على الأسلحة التقليدية المتقدمة وأي أعمال تؤدي إلى زعزعة الاستقرار. بل إن العقوبات تشمل تجميد الأصول داخل الولايات المتحدة، ومنع الدخول إلى الولايات المتحدة ومنع الواردات والصادرات، إضافة إلى فرض عقوبات جنائية أو مدنية على الكيانات الداعمة لبرنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية.

كما ثمة مشروع القرار الخاص بفرض عقوبات على “حزب الله” اللبناني، بل على الحكومات الأجنبية والأفراد والشركات التي تدعمه وتقدم له الأموال، وهذا يعني، أيضًا، إدراج وزارة الخارجية الأميركية إيران كدولة راعية للإرهاب، بسبب دعمها “حزب الله”، إضافة إلى أنشطتها الإرهابية الأخرى في المنطقة والعالم. بل فوق كل ذلك، كما قدمنا، فثمة مشروع قانون آخر يطالب الاتحاد الأوروبي، بإدراج “حزب الله” على قائمة المنظمات الإرهابية وعدم الفصل بين جناح سياسي لـ “حزب الله” أو جناح عسكري، بل تعيين “حزب الله” بكل ميليشياته منظمة إرهابية.

من المهم جدًا، متابعة تطورات الموقف الأميركي من النظام الإيراني؛ لأن هذا الأمر سيؤثر كثيرًا في شكل الصراعات الدائرة في منطقتنا، كما في تموضع القوى الإقليمية الأخرى فيها، وبالتأكيد فهو سيؤثر كثيرًا في مصير بلدان المشرق العربي، بخاصة العراق وسورية ولبنان.