لا إعادة تأهيل ممكنة لنظام الأسد

 

على الرغم من أن أطرافًا دولية عدة تدعم الأسد، منذ سبع سنوات، ليبقى جاثمًا على صدر الشعب السوري كهيكل مومياء أجوف، إلا أن دعمها لم يكن يومًا يعتمد على الحجة المنطقية، أي على محاولة إقناع السوريين بضرورة بقائه، بل واجهَت هذه الدول، وعلى رأسها روسيا، المُطالبين بتغيير سياسي جذري يعبُر بسورية نحو دولة القانون والمواطنة، والذين يرون بوضوح أن لا إمكانية لتحقيق هذا المطلب بوجود نظام الأسد، واجهتهم بأدوات القتل والقصف والتدمير والاغتيالات والكيماوي، ومن ثمّ الفيتو على إدانة جميع هذه الجرائم.

كل ذلك من دون أن نسمع أو نقرأ أي محاولة، ولو أنها سطحية، تبرر بقاءه لسببٍ ما، حتى إن المسرحيات و”البروباغاندا” الإعلامية التي تصفه بـ “محارب الإرهاب”، لم تنفع لإقناع السوريين بالقبول باستمرار حكمه.

ومع أن جعبة السياسي لا تفرغ من المبررات؛ لكن حجة الدفاع عن الأسد فارِغة تمامًا، وإن وُجِّه السؤال إلى الداعين لمؤتمر إعادة تأهيل الأسد في (سوتشي)، وإلى كل من يؤيده ومن سيحضره، أن يعطوا سببًا واحدًا، يجعل استمراريةَ بقاء هذا النظام في المرحلة الانتقالية ضرورةً؛ فلن نتلقى جوابًا مقنعًا، بينما يمتلك السوريون -على اختلاف أطيافهم السياسية- أسبابًا لا تُعد ولا تحصى، تستند إلى الحجة والمنطق والمصلحة العامة، تؤكد فشَل أي خطوة مستقبلية بوجوده، ووجوبَ تنحيته قبل التفكير بمرحلة انتقالية.

بقاء الأسد، خلال المرحلة الانتقالية، يعني أن المجتمع الدولي يعطي شرعيةً لأن يحكمَ سوريةَ مَن هو متهَمٌ بجرائم إبادة ضد شعبها؛ وسيؤدي إلى فقدان مجلس الأمن مساحة كبيرة من الصدقية، تجاه قضايا الإبادة البشرية، وذلك أمر على درجة عالية من الخطورة؛ إذ إنه يعني تشريع جرائم الإبادة، من دون حساب وإدانة. كما يشكّل وجود الأسد، من منطلق كونه المسؤول الأول عن الانتهاكات بحق السوريين، عقبةً في سبيل أي حوار وطني، ومصدر استقطاب مستمر ودافع للكره والرغبة في الانتقام، نظرًا إلى أن مجرد وجوده يعدّ انعكاسًا واضحًا لغياب العدالة، بعد أن تجاوز عدد الضحايا في سورية مليون إنسان، فضلًا عن ملايين المهجرين ومئات ألوف المعتقلين وعوائلهم، والنسبة الغالبة منهم يربطون وجود نظامه بالكوارث التي ألمَّت بهم؛ وهذا يعني أن أي حوار تسعى له الدول الراعية لتأهيل الأسد محكومٌ بالفشل قبل البدء به.

في الواقع، لا يمكننا تسمية أي مرحلة بالانتقالية، ما لم تتضمن تغييرًا ملموسًا في الوضع الحالي وليس إصلاحًا له، فالإصلاح مفهوم قد يشمل الفساد والمحسوبيات والقمع الأمني، وكان يمكن الحديث عنه منذ سبع سنوات، لكننا اليوم نتحدث عن جرائم ضد الإنسانية، ارتكبها هذا النظام، ولا يمكن إصلاحها تحت أي مفهوم، كما نتحدث عن انتهاكات بحق معتقلي الرأي والمعتقلين السياسيين، لن يستطيع نظام الأسد تجاوزها أو الإيفاء بأي من شروط المجتمع الدولي المتعلقة بالإفراج عنهم؛ مهما كانت الضغوط نحو ذلك كبيرة، وعجزه هذا ينبع من كون انكشاف مصايرهم ومعاناتهم يشكل إدانة لا عودة عنها بحقه؛ ولذلك فإن من يتأمل منه أي تقدم في هذا الملف يدور في حلقات وهمٍ مفرغة.

يقودنا ذلك إلى إدراك واضح بأن المرحلة الانتقالية تتضمن -حُكمًا- خلوَّها من رموز نظام الأسد، ومن كل من ارتكب جرمًا بحق السوريين، وتتضمن حُكمًا انتقاليًا يحقق الضوابط القانونية التي تسمح بتغيير ديمقراطي نحو نظام حكمٍ حديثٍ، تحت رعاية الأمم المتحدة، أما بقاء هؤلاء فيعني تمديد الصراع إلى أجل غير مسمى.

ليس استمرار الصراع حكرًا على سورية فحسب، بل تمدد للصراع المذهبي والقومي في المنطقة، نرى تداعياته واضحة في دول الجوار، وذلك محفز لزيادة التجييش والتسلح في الشرق الأوسط، بينما توصي أدنى معايير الحفاظ على السلم بإيجاد حلول طويلة الأمد، لإدارة التنوع العرقي والمذهبي والمرتبط بشكل مباشر بالحفاظ على الأمن، على الصعيد العالمي.

يضاف إلى كل ما سبق أنّ وجود الأسد يشكّل عائقًا أمام رغبة أيّ من الدول المتقدمة أو الدول العربية في تقديم التمويل أو الدعم لإعادة إعمار سورية؛ ما يهدد ببقاء البنى التحتية مدمرة، ويعوق عودة اللاجئين المرجوة وعودة الكفاءات السورية التي ستحمل مسؤولية النهوض بالمجتمع، مستقبلًا.

لا إعادة تأهيل ممكنة إذًا، فإما أن ترتضي روسيا الداعية إلى ذلك بحمل النظام، بجرائمه كما هو، ككيس حجارة يزداد ثقله بشكل متزايد يوم بعد يوم، أو أن ترضخ للواقعية القانونية التي سيفرضها الحقوقيون، عاجلًا أم آجلًا، على الملف السوري؛ فترى منافذ وحلولًا أخرى دون محاولات إعادة تأهيل بعيدة عن الواقع السوري، وعن الممكن الدولي.