العقوبات الغربية على روسيا وآثارها

 

بدأت العلاقات الروسية الأميركية بالتدهور، منذ بدأ عهد إدارة الرئيس أوباما، بالرغم من أن سياسة أوباما خدمت روسيا في ملفات عدة، منها سورية واليمن والعراق وإيران، إلا أن مشكلة أوكرانيا وضمّ القرم إلى روسيا تركا شرخًا كبيرًا، أدى إلى عقوبات غربية قوية ضد الاقتصاد والمسؤولين الروس. وأكثر ما تسعى إليه القيادة الروسية هو تطبيع العلاقات وإعادتها إلى حالتها العادية وإيقاف التدهور، علمًا أن الروس توهموا كثيرًا بوصول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض معتبرين أنه حليفهم القادم، وحصل العكس تمامًا؛ فانقلبت التوقعات ودخلت العلاقات مع واشنطن في نفق مظلم، أقلق النخبة الحاكمة في موسكو.

عقوبات جديدة على روسيا

وقّع وزير الخارجية الأميركي تيلرسون، في 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2017، وثيقةً تقضي بفرض عقوبات جديدة على روسيا. وحسب ما أفادت صحيفة (نيويورك تايمز) في اليوم نفسه، فإن قائمة الكيانات التي قد تشملها العقوبات الأميركية الجديدة، وفقًا للتعليمات التي أصدرتها وزارة الخارجية الأميركية للكونغرس، تضمّ مجلس الأمن الروسي، وكالة الاستخبارات الروسية وجهاز الأمن الفدرالي الروسي، وفضلًا عن ذلك، تشمل القائمة 33 مؤسسة ومنظمة، لها علاقة بمجال الأسلحة والدفاع، بما في ذلك “روس أبورون إكسبورت”، “إيزماش”، “كلاشنيكوف”، “روستيخ”، “ميغ”، “سوخوي”، “توبوليف”. وسيوقع عليها الكونغرس، ويبدأ تنفيذها في آخر كانون الثاني/ يناير 2018. وتضاف هذه العقوبات إلى حزمة من العقوبات الغربية التي بدأت في آذار/ مارس عام 2014، بعد ضم شبه جزيرة القرم لروسيا، حيث طالت العقوبات شركات نفطية ومصانع وشخصيات حكومية وعسكرية وأمنية كبيرة. وشارك في هذه العقوبات الولايات المتحدة وكندا ودول الاتحاد الأوروبي وأستراليا، ودول أخرى باستثناء تركيا التي رفضت العقوبات بالرغم من كونها عضوًا في حلف الناتو.

هناك ضغوطات هائلة على وسائل الإعلام الروسية العاملة على الأراضي الأميركية وخاصة قناة RT الإنكليزية التي طلبت واشنطن تسجيلها كوكيل أجنبي، وأعلنت موسكو، على لسان نائب وزير خارجيتها سيرغي ريابكوف، أنّ موسكو سترد بشكل مماثل؛ في حال واصلت واشنطن الضغط على وسائل إعلام روسية. ورأى ريابكوف أن “المتطلبات الأميركية تنطوي على تصعيب الأنشطة المهنية للصحفيين العاملين في “آر تي” بالولايات المتحدة، وسنرد بحزم وبشكل مماثل؛ إذا لم يتخل الجانب الأميركي عن مطالبه غير المقبولة”.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد وقّع، في 2 آب/ أغسطس الماضي، قانونًا بفرض عقوبات جديدة على روسيا وإيران وكوريا الشمالية، تم اعتماده من قِبل أعضاء الكونغرس الأميركي بأغلبية ساحقة من الأصوات.

تُمثّل العقوبات الأخيرة، مضافة إلى ما سبقها من عقوبات، ضربةً للصناعة الحربية الروسية. ولطالما امتدح الرئيس الروسي ومسؤولون آخرون في الدولة نجاحات الشركات الروسية المختصة بتصنيع وبيع الأسلحة، وصرحوا بأن أرباح روسيا من بيع الأسلحة بلغت عام 2017 نحو 15 مليار دولار.

وحول أبعاد هذه العقوبات، قال مسؤول رفيع في الخارجية الأميركية: “إن هذا الفصل من القانون يتعلق بتعاملات جدية مع الأشخاص، في القطاعين الدفاعي والاستخباراتي للحكومة الروسية، ما قد يشمل أيضًا توريدات الأسلحة المتقدمة تكنولوجيا حول العالم”. وأضاف المسؤول أن الولايات المتحدة ستفرض عقوبات بشكل انتقائي ضد دول ثالثة، ومؤسسات تتعاون مع شركات روسية من قائمة العقوبات الأميركية.

أوضح الوزير الروسي لافروف الأهداف الحقيقية للعقوبات الأخيرة -من وجهة نظره-  في المؤتمر الصحفي المشترك مع الشراكة الأوروبية لرجال الأعمال، في 31 تشرين الأول/ أكتوبر، بقوله: “تحت مبرر مكافحة التهديد الروسي؛ تحاول واشنطن (ترقيع) ما يسمى التضامن العابر للأطلسي، ليس فقط إجبار الأوروبيين على رفع مصاريف الدفاع، بل تعزيز ثقلها للاقتصاد والطاقة في أوروبا، وإزاحة مشاريعنا المشتركة للطاقة معكم، والتضييق على روسيا في سوق التسليح. هذا ما تهدف له جرعة العقوبات الأخيرة”.

كما لاحظنا لقاءاتٍ مكثفة بين كبار المسؤولين في وزارتي الخارجية والدفاع الروسية، مع السفير الأميركي الجديد هانتسمان في موسكو؛ لبحث إمكانية تحسين العلاقات الثنائية المتدهورة، وكذلك لقاءات السفير الروسي الجديد الجنرال أنطونوف في واشنطن مع مسؤولين كبار ووزراء ورجال أعمال أميركيين.

ردة الفعل الروسية

هذه العقوبات التي أصبحت عبئًا حقيقيًا على الاقتصاد الروسي، قوبلت بردة فعل من الحكومة الروسية:

  • في آب/ أغسطس 2014، تم إيقاف استيراد المواد الغذائية من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وأستراليا وكندا والنرويج.
  • ظهرت محاولات روسية للتدخل في السياسات الأوروبية، من خلال الأحزاب اليمينية المعجبة بروسيا وسياستها. وبعد مرور 3 سنوات على تلك العقوبات، لم يظهر التأثير المطلوب منها في كبح جماح روسيا في أوكرانيا، بل على العكس أثرت في الاقتصاد الأوروبي أكثر من الاقتصاد الروسي. ويرى خبراء أن روسيا عملت على التقرب من أحزاب اليمين في أوروبا؛ بهدف إنهاء الاتحاد الأوروبي وتفكيكه وتقويض القيم الليبرالية والانفتاح وحرية التعبير، التي تعتبرها روسيا بأكملها خطرًا على قبضة السلطة في البلاد.

قامت وسائل الإعلام الروسية بحملة تحريض كبيرة ضد اللاجئين إلى أوروبا، ووجهت تهمًا عديدة، منها نقل الإرهاب إلى أوروبا.

  • تمكنت روسيا من تعزيز وجود أكبر في الاتحاد الأوروبي، ويتهمها الغرب بالتدخل في الانتخابات في عدة دول أوروبية، على غرار ما حدث في الانتخابات الأميركية.

تأثير العقوبات على روسيا

يعتقد بعض الخبراء أن العقوبات الغربية على روسيا لم تحقق نتائج سياسية، بل تسببت فقط بضرر اقتصادي عليها، وكذلك على الدول الأوروبية وأميركا وأستراليا بنسب متفاوتة.

– ساعدت العقوبات على زرع حالة من التوتر في المناخ الاستثماري في روسيا، أدت إلى تقلص الاستثمارات الأجنبية المباشرة وهروب رؤوس أموال أجنبية، قُدرت بنحو 75 مليار دولار في العام 2014.

– جاءت العقوبات في ظرف سيئ، بالنسبة إلى الموازنة الروسية التي تعتمد في على إيرادات النفط بشكل كبير، حيث أدى انخفاض أسعار النفط ابتداءً من منتصف العام 2014، إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية في روسيا بالفعل، وتراجع الناتج الإجمالي المحلي عام 2015 بمقدار 3.7 بالمئة ما حذا بصندوق النقد الدولي إلى تصنيفه كعاشر أسوأ اقتصاد في العالم لعام 2015.

– تقلص الصندوق الاحتياطي العام لروسيا إلى 32 مليار دولار، في نهاية أيلول/ سبتمبر 2015، وفقًا لوزارة المالية الروسية، بعدما كان يبلغ 91.7 مليار دولار، في الشهر نفسه من عام 2014، قبل بدء هبوط أسعار النفط، ما يُشكل انخفاضًا بنسبة 65 بالمئة، ويقدّر حاليًا، وفق الإحصاءات الرسمية بتاريخ 1 تشرين الأول/ أكتوبر 2017، بـنحو 17 مليار دولار.

– أسهمت العقوبات في زيادة معدل التضخم في روسيا، مع إضافة تأثير انخفاض قيمة الروبل الذي أدى إلى ارتفاع تكلفة المواد المستوردة بالروبل، وانخفاض القدرة الشرائية للمواطنين الروس.

أكد السفير الروسي الجديد لدى الولايات المتحدة أناتولي أنطونوف، في 29 تشرين الأول/ أكتوبر، أن رجال الأعمال في الولايات المتحدة يتخوفون ليس فقط من سياسة العقوبات، بل من عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات الإدارة الأميركية. وأضاف أن روسيا لا تخاف من العقوبات.

ويرى عضو مجلس الاتحاد الروسي، أليكسي بوشكوف (27 تشرين الأول/ أكتوبر)، أن الولايات المتحدة تتخوف من إمكانية توريد منظومات صواريخ الدفاع الجوي الروسية من طراز إس-400 إلى حلفائها. موضحًا أن واشنطن تنوي القيام بفرض العقوبات على الشركات التابعة للمجمع الصناعي العسكري.

تأثير العقوبات على الاتحاد الأوروبي وأميركا

– تُقدّر خسائر الاتحاد الأوروبي، بعد مرور 3 سنوات على العقوبات، بـ 220 مليار دولار. علمًا أن حجم التبادل التجاري بين روسيا والاتحاد االأوروبي يصل إلى 270 مليار دولار.

– أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فالعقوبات لم تؤثر كثيرًا عليها، بالشكل الذي تأثرت فيه دول الاتحاد الأوروبي، ففي عام 2013 بلغت قيمة صادرات المواد الغذائية الأميركية لروسيا 1.2 مليار دولار، ويمثل هذا الرقم أقل من 1 بالمئة، من إجمالي المنتجات الزراعية المصدرة من الولايات المتحدة، ولا يتجاوز التبادل التجاري بين روسيا والولايات المتحدة 30 مليار دولار؛ ما يعني أن تأثير هذه العقوبات على الاقتصاد الأميركي لا يكاد يُذكر، ولا يختلف الوضع كثيرًا في حالة كل من أستراليا وبريطانيا.

ونشرت صحيفة (الغارديان) البريطانية معلومات عن حركة غسيل الأموال الروسية في أوروبا، وكيف تتم، ومن هي المصارف المتورطة فيها، المحققون في أوروبا الشرقية تعقبوا عمليات مصرفية، لكثير من البنوك والشركات يبلغ حجمها 80 مليار دولار، رصدت فيها كيف يتم تهريب أو غسل الأموال من روسيا إلى دول البلطيق؛ ليتم تحويلها بعد ذلك إلى دول أوروبا وأميركا، وفي دراسةٍ لـ “دويتشه بنك” أن 138 مليار جنيه إسترليني تدفقت إلى بريطانيا في السنوات الماضية، جاء معظمها من روسيا، حيث يُعدّ غسيل الأموال هناك أحد أكثر الأعمال المزدهرة، فالمعروف أن الاقتصاد الروسي يُعاني بشكل كبير من الفساد المالي وأن الأموال يتم إخراجها من البلد، من خلال 4 طرق ملتوية، بالتعاون مع شركات وهمية وإجراء عمليات مصرفية معقدة، لتضليل الهيئات الحكومية التي تراقب عمليات غسيل الأموال. علمًا أن الأشخاص المسؤولين عن تلك العمليات هم قريبون من الكرملين بشكل أو بآخر.

وأخيرًا، لا بد من التساؤل: هل أثرت العقوبات على روسيا في سياستها تجاه سورية؟ للأسف زادت العقوبات الغربية من إصرار الكريملين على التمسك بالنظام السوري، كردة فعل على العقوبات الغربية؛ إذ يعتبر الروس أن ما يجري في سورية يمكن أن يتكرر في دول أخرى تختلف سياسيًا مع الغرب.