معوّقات الفدرلة والتقسيم في سورية

لأسباب تاريخية وسياسية وجغرافية عديدة، أصبحت سورية موطنًا لعدد كبير من المكوّنات المتعايشة جنبًا إلى جنب؛ ما أثّر تأثيرًا كبيرًا في فرص تحسين علاقاتها ببعضها، والوصول إلى مرحلة الشعب بمفهومه السياسي الحديث. ولكن بقيت المكوّنات –عمليًا- وبغض النظر عن الصورة الكاذبة التي كان يقدمها نظام آل الأسد، في حالةٍ من التفكك والانغلاق على الهوية ما قبل الوطنية؛ فبقي الشعور الوطني السوري الجامع ضعيفًا.

إنّ أول متحقق لمحاولات تقسيم سورية حدث في الشمال السوري، مع تشكيل كانتونات الإدارة الذاتية، التي فرضها “حزب الاتحاد الديمقراطي” الكردي (PYD)، حين أرسى دعائم ما يشبه دويلة، تحت مسمى “غرب كردستان”، وشكّل قوات عسكرية، دعاها “قوات حماية الشعب”، وشكّل أيضًا شرطة معروفة باسم “أسايش”، لعبت دورًا كبيرًا في ملاحقة وقمع الناشطين الأكراد والعرب المختلفين مع ما يطرحه الحزب وتوجهاته، وممارساته.

حقيقة الأمر أنّ التحديات التي تواجه قيام دولة كردية في شمال سورية، لا تقف عند عتبة الظروف الإقليمية والدولية فقط، فثمة عوامل تخص الحالة الكردية هناك، من المساحة الجغرافية الضيقة وامتدادها على طول الشريط الحدودي مع تركيا، على شكل ثلاث مناطق منفصلة، تخترقها مناطق ذات أغلبية عربية. وعليه، يمكن وضع تصريحات بعض السياسيين الكرد، حول مشروع الدولة المستقلة والتهديد بالسعي إلى الاستقلال وتقرير المصير، ضمن خانة الاستثمار في عواطف القاعدة الشعبية الكردية. ثم إنّ المشروع الفيدرالي في شمالي سورية ربما سيولّد نزاعًا جديدًا بين مكوّنات المنطقة، لا يستطيع أحد التنبؤ بنتائجه، خاصة أنّ للمشروع حدودًا جغرافية قد تتسبب في نزاعات شبيهة بالنزاعات التي واجهها إقليم كردستان العراق مع حكومة المركز.

إنّ سورية، بخلاف العراق، لا تسمح طبيعتها الجغرافية وتداخل مكوّناتها، بالقسمة وفق هذا التصوّر الذي يُراد الاسترشاد به، أو استنساخه؛ إذ لا يستطيع أيّ مكوّن الانفصال عن غيره، خاصة أن المكوّنات العرقية والدينية والمذهبية في سورية، ليس لها جغرافيا محدّدة، وليس لها أغلبية بشريّة إلا في أماكن محدودة جدًا، غير مؤهلةٍ لأن تكون أقاليم فيدرالية قائمة بذاتها. وفوق كل ذلك، فإنّ الحديث عن فيدرالية وديمقراطية لا يستقيم مع وجود حزب مهيمن، يفرض سطوته الأحادية بالقوة المسلحة، لأنّ هذا سيكون نموذجًا لحزب بعث آخر.

إنّ توزّع الأكراد الديموغرافي على قسم كبير من الجغرافيا السورية، خاصة في مدينتي دمشق وحلب، واختلاطهم الكثيف في مناطق الجزيرة السورية وشرق نهر الفرات بالعرب وغيرهم من المكوّنات الأخرى، يجعل الخيار الوطني السوري خيارًا موضوعيًا بقوة الجغرافيا والديموغرافيا.

إنّ الأمر يتطلب بلورة عقد وطني جديد، وهذا يستدعي أن يتناول الحل السياسي القادم المسائل الأساسية كافة التي تهم جميع المكوّنات السورية، من خلال انخراط الجميع في عملية صياغة هذا العقد، مع توفير الضمانات لإنجاحه وتثبيت نتائجه وحماية هذه النتائج. مما يستوجب الانخراط في إنتاج نظرة سورية راهنة إلى سائر القضايا السورية، وما يعنيه هذا من ضرورة الانتقال من الصراع القومي إلى الحوار الوطني، الهادف إلى بناء الدولة الوطنية الحديثة، دولة كل مواطنيها المتساوين في الحقوق والواجبات.

وفي هذا السياق، فإنّ وحدة القوى الديمقراطية العربية والكردية ضرورية، لنيل حقوقهم كاملة في مرحلة ما بعد الاستبداد، بدعم من جميع الأطياف الديمقراطية التي ستشترك في بناء النظام الجديد. بذلك، سيقدّم الشعب السوري لمكوّنه الكردي حقوقه، اعترافًا منه بدوره في القضاء على الاستبداد وإقامة الديمقراطية، وسينال الكرد، بنضالهم السياسي وتضحياتهم، ما لن ينالوه بسلاح حزبٍ يضطهدهم وإخوتهم العرب، ويدمّر قضاياهم المشتركة، ويسهم -بالخروج على أولويات الثورة ومناهضة أهدافها- في بقاء النظام القاتل، متسلطًا عليهم، ويهدد بجرّهم من أجواء الإخاء، الذي أوجدته شراكتهم في الثورة، إلى أجواء عداء مدمّر، لا مصلحة لكردي أو عربي فيه. لذلك، لا مفرَّ من إفشال خطط الانفصاليين اليوم قبل الغد، لكيلا يصير من الصعوبة بمكان وقف تدهور علاقاتهم الأخوية التي يُرجّح أن تشهد تجدّدًا وتعمّقًا غير مسبوقين في العصر الديمقراطي المقبل الذي نصنعه معًا.

وهكذا، يخطئ من يعتقد بأنّ الرفض والإدانة للفيدرالية والعودة للتهديد بأساليب القهر والقسر يمكنها حماية وحدة البلاد، فالطريق المجربة للحفاظ على اللحمة الوطنية هي حين تنظم حياة السوريين قوانين لا تميّز بينهم، ويتلمسون بأنهم بشر متساوون في الحقوق والواجبات، طريق لا يمكن أن تنهض إلا بنقد الماضي المكتظ بكل أنواع الظلم والاضطهاد، والاعتراف بأنّ النظام المركزي بنسخته الشمولية ذهب إلى غير رجعة؛ ما يعني ضرورة إعادة النظر في أفكارنا القديمة، وفي شعاراتنا عن التعايش والتعددية، استنادًا إلى أنّ وحدة الوطن ومعالجة تنوعه القومي والديني، لا يمكنهما أن تتحققا بصيغة صحية وعادلة إلا على قاعدة الديمقراطية ودولة المواطنة واللامركزية الإدارية الموسّعة على أساس جغرافي.