حديث عن النساء

 

خلال ما يقارب السنوات السبع منذ انطلاقة الثورة السورية، نُظر إلى المرأة وكأنها تحصيل حاصل في كل ما يحدث؛ فحضورها الباهت في واجهة المشهد السياسي، سواء من قبل النظام أم المعارضة، لا يعكس -بطبيعة الحال- حضورها الكبير على أرض الواقع، ولو تحدثنا وفق منطق الربح والخسارة؛ فإن المرأة السورية ستكون الخاسر الأكبر، فهي الأم الثكلى، وهي الأرملة، وهي أيضًا أكبر الخاسرين في محنة التشرد واللجوء، بعد أن تبدلت الكثير من تفاصيل حياتها، وأصبحَت -وإن بدا أنها نالت شيئًا من حريتها، بسبب تمزق السلطة الذكورية وبخاصة في المجتمعات الأوروبية- غيرَ قادرةٍ على لعب دورها الثقافي؛ كونها أحد عوامل الحفاظ على الهوية، واستمراريتها، ولعل نظرة متفحصة إلى ما آلت إليه أحوال المرأة السورية الآن بشكل عام، ستقدم لنا نتائج كارثية عن حجم التمزق الذي لحق ببنيتها، نحن نتحدث هنا عن قرابة نصف الشعب السوري، وفق تصنيف دقيق لمنظمة السكان صادر عام 2010.

بطبيعة الحال، لا نتحدث هنا عن نظام ومعارضة، لكننا نتحدث عن مجتمع سوري متكامل، مفترضين -جدلًا- أن الشعب السوري، كما نريد أن نصدق ذلك بعض الأحيان، ما زال بالإمكان دراسته، وتحليل ما طرأ عليه، بوصفه شعبًا واحدًا غير مجزئ ولا مقسم.

ولأن النموذج الأوضح، لما تتعرض له المرأة السورية من تهميش بل إلغاء، يوجد هناك في ما يُعرف بالمناطق المحررة التي يخضع معظمها -إن لم تكن جميعها- لسيطرة تيارات إسلامية متشددة، أعادت النساء السوريات الرائدات في العديد من المجالات إلى عصر ما قبل اختراع العجلة، فإنه يكفي أن نعلم أن غالبية “الفتاوى” التي تصدرها تلك القوى الإسلاموية تتعلق بالمرأة، سواء من حيث لباسها أم خروجها أم عملها، حتى بات من النادر رؤية نساء يسرن في شوارع تلك المناطق، ولا يكاد يتم إحصاؤهن أو تذكرهن إلا عندما تتعرض تلك المناطق لقصف من قبل قوات النظام أو حلفائها، حينئذ سنقرأ أن معظم الشهداء هم من النساء والأطفال، كما لا يمكننا إغفال ما تتعرض له المرأة السورية من تغييب، في مخيمات اللجوء المنتشرة في أكثر من بلد، وإن بدا الحال في تلك المخيمات أفضل منه في المناطق “المحررة”؛ إذ إن تلك المخيمات مفتوحة ولا سيطرة لأي تيار عليها، كما أنها تخضع -وإن جزئيًا- لرقابة الأمم المتحدة أو البلد المضيف؛ ما يمنح المرأة مساحة أكبر للحركة، وإن كانت حركةً مقيدة بأسلاك شائكة أو بسلسلة طويلة من الموافقات، لكن تجارب ناجحة كثيرة، قامت بها النساء داخل ذلك الفضاء الجغرافي المغلق، قدّمت نموذجًا مبشرًا بالخير حقًا، إن كتب له الاستمرار والدعم.

سياسيًا، لا يكاد الأمر يختلف كثيرًا، لكن يمكننا القول إن النظام استطاع أن يتقن لعبة التوازن، في كثير من الأحيان أكثر من الطرف الآخر، حيث سوّق للعالم الخارجي بعض الشخصيات النسائية التي تتحدث بلسانه، وتضرب بسيفه، وهي شخصيات لم تكن شكلية أو مستعارة بل شخصيات أصيلة، وإن تكن غابت أو غُيبت عن المشهد في الآونة الأخيرة، ربما تحت وطأة ضغوط إيرانية أو حزبلاوية، إلا أنها إلى حد بعيد قدمت صورة مغايرة، عن تلك التي قدمتها تكتلات المعارضة التي تصدرت المشهد، فالمرأة -في أغلب الأحيان- كانت لتزيين الصورة لا أكثر، حتى أولئك النساء اللواتي تمّ الزج بهن في التكتلات المعارضة نستطيع القول إنهن، وللأسف، لم يكنّ مؤثرات أو فاعلات، ولا تستطيع الذاكرة أن تستعيد أي موقف سياسي كبير، سمح لامرأةٍ في تكتلات المعارضة أن تطلقه أو تطرحه. تحضر المرأة أيضًا في خلفية الصورة على طاولات المفاوضات، فيما يتصدر الرجال المشهد كاملًا، ويتحركون جيئة وذهابًا، ليتحدثوا عن الديمقراطية والحرية، وهم يسقطون من حساباتهم نصف الشعب، كما ذكرنا سابقًا، مع أن بعضهم لا يمتلكون أي مقومات تؤهلهم لتصدر المشهد سوى كونهم ذكورًا، ولعل هذا ما دعا المبعوث الأممي السيد ستيفان دي ميستورا للدعوة، أكثر من مرة، إلى تمكين المرأة على الصعيدين السياسي والمدني. صحيح أن المبعوث الأممي أخطأ في التشكيلة التي اختارها ممثلة لنساء سورية؛ إذ جاءت تلك التشكيلة أقرب -قلبًا وقالبًا- إلى ما يريده نظام دمشق، لكن بالمقابل لم نر تحركًا جادًا من وقتها من قبل المعارضة السورية، لتصحيح هذا الخطأ الجسيم وإتاحة الفرصة للمرأة كي تلعب دورًا أكبر في التخطيط لمستقبل سورية، أو لسورية المستقبل.

مؤخرًا أطلقت مجموعة من السيدات السوريات الحركةَ السياسية النسوية السورية، والتي تسعى لبناء دولة ديمقراطية تعددية على أسس المواطنة المتساوية بين جميع السوريين، وكان لافتًا أن الحركة، في مخطط عملها، وضعت نصب عينيها هدف الوصول إلى تمثيل نسائي نسبته 30 بالمئة فقط؛ ما يعكس قناعة راسخة بأن الوصول إلى هذه النسبة سيشكل بحد ذاته إنجازًا كبيرًا في حال تم تحقيقه، سواء في الوقت الحالي أم في المستقبل، فيما سنكون مبالغين في طموحنا وأحلامنا، إن قلنا إن النسبة يجب أن تكون متساوية بين الجنسين.

وبعيدًا عن الإحصاءات والنسب، فإن حكايات كثيرة تروى كل يوم عن نساء سوريات، في مناطق مختلفة، يقمن بالكثير من الأدوار بعد أن فقدن معيلهن، فهن يعملن أعمالًا كثيرة كانت قبل سنوات حكرًا على الرجال، فلماذا إذًا يتم استبعادهن؟ وهل يمكن حقًا الحديث عن الحرية والديمقراطية، إن لم تكن المرأة ركنًا أساسيًا في هذا البناء!