مظاهر ونتائج التوتر بين روسيا وحلف الناتو

المحتويات

مقدمة

أولًا: أهم مراحل العلاقات الروسية- الغربية

ثانيًا: تطور هيكلة (حلف الناتو)

ثالثًا: تجدّد النزوع الروسي للسيطرة

رابعًا: حول مصير معاهدة (ستارت)

خامسًا: الدخول الروسي على خط المسألة السورية

سادسًا: خاتمة

 

 

مقدمة

خلال قمة حلف (الناتو)، في 25 أيار/ مايو الماضي، اعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب الخطر الروسي، إلى جانب الإرهاب والهجرة غير الشرعية، التهديدات الرئيسة التي يواجهها الحلف. وقد تزامن ذلك مع بيان للخارجية الروسية اعتبر أن “العلاقات بين روسيا والناتو تعاني أزمة عميقة، وأنها في أسوأ حالاتها منذ الحرب الباردة”، الأمر الذي أعاد العلاقات بين الجانبين إلى دائرة التوتر والاهتمام.

لقد كانت الحوادث المرتبطة بالأزمة الأوكرانية نقطة تحوّل كبير في تصاعد المواجهة بين روسيا والحلف، كما أن مخاوف جدية لدى زعماء دول البلطيق المجاورة، التي كانت جزءًا من الاتحاد السوفييتي السابق، ارتفع منسوبها مع تعمّد روسيا القيام باستفزازات حدودية، وانتهاك طائراتها الحربية المجال الجوي لهذه الدول، التي أدت في النهاية إلى تحرّك الحلف الأطلسي.

 

أولًا: أهم مراحل العلاقات الروسية- الغربية

تتسم المسيرة التاريخية لعلاقة موسكو مع حلف (الناتو) بالتعقيد والتوتر، ففي العام 1949 قررت الولايات المتحدة الأميركية تأسيس الحلف، كتكتل سياسي-عسكري في مواجهة الاتحاد السوفياتي، ولم ينتظر الأخير طويلًا، حيث أسس حلف (وارسو) في العام 1955.

في الواقع، منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في العام 1991، مرّت العلاقات بمرحلتين، استمرت أولاهما عقدًا من الزمن، وتولّى الحكم فيها الرئيس الروسي الأسبق، بوريس يلتسين، حيث كانت روسيا تعاني الاضطرابات السياسية والانهيار الاقتصادي والتهميش على الصعيد الدولي، بل التبعية للموقف الغربي. وبدأت الثانية بتولّي الرئيس فلاديمير بوتين السلطة في مطلع العام 2000.

في المرحلة الأولى وقّعت موسكو مع الحلف في العام 1997 “ميثاق باريس”، وأبدت رغبتها في الالتحاق بعضوية الحلف، ولكنها كانت تريد عضوية ذات وضعية خاصة. وفي بداية المرحلة الثانية لم يستبعد فلاديمير بوتين انضمام روسيا إلى الحلف بشرط تمتُّع بلاده بوضع متكافئ داخله. وفي العام 2002، جرى التوقيع على “إعلان روما”، الذي تأسس بموجبه مجلس روسـيا – الناتو، ومن ثم واصل الحلف ضم المزيد من دول المعسكر الاشتراكي السابق إلى صفوفه.

لقد شكّل إصرار الغرب على استقلال إقليم كوسوفو، وتوسيع الحلف ليضم معظم الأعضاء السابقين في حلف (وارسو)، بداية تحوّل الإدراك الروسي للمخاطر، وراح يتصاعد إلى أن وصل ذروته مع إصرار الغرب على ضم جورجيا وأوكرانيا، إضافة إلى خطة نشر منظومة الدرع الصاروخي الأميركي.

ومما زاد في توتّر العلاقات أن الإدارة الأميركية لم تأخذ في الحسبان “الإطار الاستراتيجي” الذي تضمنه الإعلان الروسي- الأميركي في نهاية قمة “سوتشي” في نيسان/ أبريل 2008، ومن أهم ما ورد فيه: أن الدولتين لم تعودا عدوتين ولا تشكلان تهديدًا استراتيجيًا الواحدة للأخرى، وأوصى الطرفان بحوار يتناول الخلافات التي تفرّق بينهما في شأن توسيع الحلف، وظهر اهتمام مشترك بإنشاء نظام دفاعي مشترك مضاد للصواريخ مع أوروبا، تشارك فيه ثلاثة أطراف: روسيا والولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، ما من شأنه إخراج هذه القضية المعقّدة من دائرة تهديد أمن روسيا، وإشاعة أجواء الثقة مع الاتحاد الأوروبي.

في المقابل، أصّرت الإدارة الأميركية على حشر روسيا ومحاصرتها. فعندما طرحت هذه الإدارة نصب الدرع المضادة للصواريخ في أوروبا الشرقية، بولونيا وتشيكيا، لم تقبل بالبديل الذي قدمه بوتين، أي استخدام أحد الرادارات الروسية في أذربيجان، على أن تُشرف عليه لجنة من الاختصاصيين الروس والأميركيين. ولكن زعماء الحلف في “إعلان بوخارست” 2008 رضخوا للضغط الروسي، فأرجأوا قرار ضمّ الجمهوريتين السوفياتيتين السابقتين، أوكرانيا وجورجيا، إلى عضوية الحلف.

وفي أواخر سنة 2014، كانت الإثارة على أشدّها في الوثائق التي وزّعها القسم الدبلوماسي في الحلف، تحت مسمى “ورقة حقائق”، حملت إحداها عنوان “أكبر خمس أساطير روسية حول الناتو”، تردُّ فيها على مواقف رئيسة تبني عليها موسكو روايتها عن تهديد الحلف لأمنها، منها إشاعتها أنه تبنّى، بعد إعادة توحيد ألمانيا، سياسة عدم التوسع باتجاه الشرق، واعتبارها أن من حقها طلب ضمانة تؤكد أن أوكرانيا لن تنضم إلى الحلف، وتحذير القيادة الروسية من تعزيز القوات الأطلسية قرب حدودها، بما يخالف التفاهمات بينهما، وصولًا إلى ترويجها شعار “الناتو يحمل عقلية الحرب الباردة”.

وهكذا، إذا كان سقوط جدار برلين، في العام 1989، وإعادة توحيد ألمانيا، قد قضيا على تقسيم أوروبا، فإن تقدم الولايات المتحدة الأميركية إلى حدود روسيا، سواء منفردة من خلال النظام الصاروخي، أو بشكل جماعي من خلال توسع الحلف شرقًا، يعني إعادة تقسيم أوروبا مرة أخرى.

لا شك في أن السجالات التي أثارها التدخل الروسي في القرم داخل (الناتو)، أبرزت على مدار الأعوام الثلاثة الماضية مخاطر العودة إلى إشعال الحروب في أوروبا، وهو ما يعدّ انتكاسة للنظام الدولي، ولا يمكن أن يكون مقبولًا من أوروبا وشريكها الأميركي، ومن ثمّ فإن الرد الأوروبي على روسيا جاء على هيئة عقوبات اقتصادية، شملت عددًا من القطاعات الحيوية الروسية في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والمصارف.

 

ثانيًا: تطور هيكلة (حلف الناتو)

إذا كانت جميع مفاهيم (الناتو) القديمة قد قامت على فكرة الدفاع في مواجهة خصم محدّد هو الاتحاد السوفياتي، فإن مهمته الجديدة التي تبلورت في مفهومه الاستراتيجي الجديد، الذي تم تبنيه في روما في تشرين الثاني/ نوفمبر 1991، لم تعد دفاعية، بل أصبحت البحث عن الآليات التي يمكنه بواسطتها أن يساهم في الأمن والاستقرار، فيما هو أبعد من حدوده الجغرافية. فعلى مستوى المؤسسات السياسية للحلف أُنشئ (مجلس تعاون شمالي الأطلسي) عام 1991، الذي طُوِّر عام 1997 ليصبح (مجلس الشراكة الأورو- أطلسي)، ولتكون مهمته تنظيم وتوزيع الأعباء والمسؤوليات بين أعضاء الشراكة، وضبط احتمالات الصراعات والنزاعات داخلها واحتواءها عبر تطوير آلية التعاون في جميع المجالات. ومن المؤسسات السياسية التي أُدخلت إلى الهيكلية السياسية للحلف أيضًا (برنامج الشراكة من أجل السلام) و(المجلس المشترك الدائم للناتو وروسيا) و(ميثاق الناتو– أوكرانيا).

ومنذ انهيار الاتحاد السوفياتي أصبح العنوان العريض، والتوجّه الاستراتيجي العام للسياسة الغربية، هو توسيع (الناتو) شرقًا، وضم دول وسط وشرقي أوروبا للاتحاد الأوروبي ثم للحلف تباعًا، بحسب درجة استجابة تلك الدول للمعايير الأوروبية والأطلسية، فانضمت بولندا والتشيك والمجر للحلف عام 1999، وانضمت سلوفاكيا وسلوفينيا ورومانيا وبلغاريا ودول البلطيق الثلاث، ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا، عام 2004، الأمر الذي كان تطورًا نوعيًا في توسيع الحلف، وانضمت كرواتيا وألبانيا عام 2009.

وكانت الإدارة الأميركية قد اقترحت في عام 1999 إنشاء منتدى لدول القوقاز، يتولى وضع سياسة أمنية مشتركة بين أذربيجان وأرمينيا وجورجيا، تهتم أولًا بتسوية النزاعات العرقية في المنطقة. ومنذ ذلك التاريخ وعلاقة الغرب، أميركا خصوصًا، بالقوقاز تتنامى باستمرار، وكل هذا يجري على حساب المصالح الاستراتيجية لروسيا التي وجدت أن مجالها الحيوي، شرقًا وجنوبًا، يضيق ويتآكل بفعل تمدّد الاتحاد الأوروبي تارة، والحلف الأطلسي تارة أخرى.

وفي حزيران/ يونيو 2004 عُقدت قمة الحلف في اسطنبول، وأقرت مساهمته في الأمن العالمي والإقليمي، من خلال ستة مجالات، أهمها: تشجيع التعاون في المجال العسكري وما يرتبط به من نشاط تعليمي وتدريبي، ومكافحة الإرهاب من خلال تبادل المعلومات والتعاون في جميع المجالات، ومواجهة الانتشار النووي وأسلحة الدمار الشامل، وتشجيع التعاون حيثما يكون ذلك ملائمًا، وحيثما تكون هناك فائدة يضيفها (الناتو) في مجال أمن الحدود والطاقة. كما أن قرارات قمة اسطنبول الرامية إلى تعزيز العلاقات بين الحلف ودول آسيا الوسطى، وكذلك توسيع مفهوم الشراكة كي يطال (الشرق الأوسط الكبير)، إنما كانت تعكس توجّهات الحلف الجديدة للتواجد في مختلف مناطق العالم.

في العام 2015 اتخذت الدولتان الأوروبيتان المحاذيتان لروسيا، السويد وفنلندا، قرارًا اعتُبر تطورًا نوعيًا في خريطة التبدلات الجيوبوليتيكية في العالم، بانضمامهما إلى برنامج الحلف الخاص بحيازة مقوّمات التصدي للحرب الهجينة/الإلكترونية (كانت موضوع مؤتمر عقده الحلف الأطلسي في العاصمة السويدية، في تشرين الأول/ أكتوبر 2016) التي تمارسها روسيا على نطاق واسع.

إن ما حصل في أوكرانيا عام 2014 دفع الحلف إلى تبنّي استراتيجية جديدة (رأس الحربة)، تقضي بتوسيع وجوده في دول أوروبا الشرقية، وتقوم على تشكيل قوة للتدخل السريع قوامها خمسة آلاف عسكري، سيرتفع عددها بشكل تدريجي إلى ثلاثين ألفًا، يمكن إرسالهم أو نشرهم في فترة قصيرة في مناطق النزاعات داخل الحدود الأوروبية، في حال تعرّض أي دولة عضو لعدوان خارجي، أو إلى مناطق خارجها إذا ما شعر الحلف بأنها تشهد نزاعات من شأنها أن تشكل في مرحلة ما تهديدًا للأمن القومي الأوروبي. ولهذا الغرض، قرر إقامة ستة مراكز للقيادة والتحكّم في كل من بلغاريا ورومانيا وبولندا وإستونيا وليتوانيا ولاتفيا، بدءًا من العام الماضي.

لقد عُقدت قمة الحلف في وارسو، في تموز/ يوليو 2016، ورسمت صورة مضطربة للعلاقات بين الحلف وروسيا، وعُقدت تحت عنوانين أساسيين هما: تدعيم الخاصرة الشرقية للحلف في مواجهة روسيا، ومكافحة الإرهاب. وفور عقدها أعلن وزير الدفاع الأميركي، أشتون كارتر، أن الحلف “يسعى لاحتواء روسيا”. لكنّ الأهمية التاريخية لهذه القمة تكمن، ليس فحسب في رمزيتها، أي عقدها في العاصمة البولونية (وارسو) التي شهدت في العام 1955 ولادة الحلف الذي حمل اسمها قبل أن يحلّ نفسه في تموز/ يوليو 1991، ولكن أيضًا في القرارات التي اتخذتها، وللمرة الأولى منذ نهاية الحرب الباردة، مثل قرار نشر أربع كتائب (أربعة آلاف جندي) في دول البلطيق الثلاث وبولونيا. وتشير التطورات الأخيرة إلى عزم الحلف المضي قدمًا في تنفيذ قراراته، حيث بدأ البنتاغون، منذ مطلع العام الجاري، بنقل القوات والمعدات العسكرية في ألمانيا لنشرها لاحقًا في دول البلطيق الثلاث المتاخمة لروسيا (ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا).

ومؤخرًا، في 9 تشرين الأول/ أكتوبر، أكدت الجمعية البرلمانية الأطلسية قرار قمة الحلف في بوخارست عام 2008 بشأن تمهيد الطريق لانضمام جورجيا إلى الأطلسي، كما دعت إلى زيادة مشاركة جورجيا وأوكرانيا في أنشطة حلف الأطلسي الرامية إلى “تعزيز الأمن الإقليمي”.

ويبدو أن حجة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، التي دأب على تكرارها لتبرير التدخل في أوكرانيا، تنطبق بالمثل على دول البلطيق، إذ إن سكان إستونيا ولاتفيا، على سبيل المثال، ربعهم تقريبًا روس، وربما تغزو روسيا الدولتين تحت رداء حماية المواطنين الروس، خاصة أن موسكو عززت أخيرًا وجودها العسكري في بحر البلطيق، وأصبح طيرانها ينتهك بانتظام المجال الجوي للدول الحليفة للحلف، خصوصًا إستونيا.

وما أثار تفاؤلًا لدى موسكو بشأن إمكانية مراجعة سياسات الحلف ذات التكلفة الاقتصادية العالية لأعضائه، والتكلفة الاستراتيجية لها، تصريح ترامب، قبل استلامه السلطة رسميًا بأيام، في مقابلة مع صحيفة (بيلد) الألمانية و(تايمز) البريطانية، الذي أشار فيه إلى أن (الناتو) منظمة “عفا عليها الزمن”، وكان قد أشار خلال حملته الانتخابية إلى أن الضمانات الدفاعية التي تقدمها واشنطن لأوروبا منذ نحو سبعين عامًا قد لا تستمر، وأنه “سيفكر مرتين قبل مساعدة حلفاء بلاده في الحلف الأطلسي الذين لا يدفعون كلفة الدفاع عنهم”. إلا أنه بعد ثلاثة أشهر، في 13 نيسان/ أبريل 2017، أكد في عقب لقائه بالأمين العام للحلف، ينس ستولتنبيرج، في واشنطن أن (الناتو) “لم يعد أبدًا من الكيانات التي عفا عليها الزمن”، متراجعًا بذلك عن موقفه السابق.

كما قررت قمة (الناتو) الأخيرة، في 25 أيار/ مايو الماضي، زيادة الإنفاق العسكري بـ 2 في المئة من إجمالي الناتج المحلي بحلول عام 2024، وإعداد خطط لزيادة النفقات الدفاعية استجابة لمطالب ترامب بهذا الخصوص. وعلى الرغم من تأكيد الحلف أن النفقات الأطلسية كافة “متزنة وتحمل طابعًا دفاعيًا”، وليست إلا ردًّا متوازنًا على خطوات روسيا، فإن الأخيرة قد فسّرت الخطوة على أنها تصعيد إزاءها.

وفي هذا السياق، يستدعي بعضهم (جورج كينان) ويدعو إلى إحياء سياسة “الاحتواء”، بحجة أن الضغط الخارجي سَيُبقي روسيا بعيدًا حتى تحرير نظامها السلطوي أو انهياره، ما يتطلب المحافظة على العقوبات أو تكثيفها، ردًّا على الانتهاكات الروسية للقانون الدولي، وحشد التحالفات الغربية سياسيًا، ورفع مستوى الاستعداد العسكري للحلف.

 

ثالثًا: تجدّد النزوع الروسي للسيطرة

لم يؤدِّ التحوّل في النظام السياسي الروسي إلى تبدّل إيجابي في علاقته بمحيطه، بل تجدّد لديه النزوع إلى السيطرة بأشكال مختلفة. فهو سعى لإقامة علاقات تبعية، ولا سيّما مع دولتين مستقلتين هما جورجيا وأوكرانيا.

وكان وصول فلاديمير بوتين إلى الحكم إيذانًا بانتهاء الفترة الانتقالية التي عاشتها روسيا بعد تفكك الاتحاد السوفياتي. وكان هدفه في البدء محصورًا في تجاوز مرحلة بوريس يلتسين الكارثية، والعمل على ترميم جدران الدولة الروسية المتصدّعة الآيلة للانهيار، وفق نظام اقتصادي يعتمد- إلى حد بعيد- على مبادئ (رأسمالية الدولة) على حساب (السوق الحر)، ونظرية أمن قومي ترى العمق الروسي في نطاق القسم السوفياتي من “أوراسيا”.

ومنذ العودة الثانية لبوتين إلى الكرملين عام 2012، تصاعد السلوك التدخّلي لروسيا في إقليمها القريب وخارجه، ما دفع إلى الحديث عن طموح إمبريالي عالمي لروسيا، خصوصًا وأنه جاء مع ما يمكن وصفها بحالة سيولة في النظام الدولي، في ظلّ تراجع الهيمنة الأميركية العالمية.

في العقيدة الأولى التي أطلقها بوتين في العام 2013، كان الطموح الروسي في أوجه. ففي عملية مزاوجة بين الجغرافيا السياسية التي تتمتع بها روسيا، وطموحاتها التوسعية، تمدّدت سياسيًا، وفي بعض الأوقات عسكريًا، ولامست جزر الكوريل مع اليابان، وأسست لبيئة استفزازية عبر نشر صواريخ ذات مغزى سياسي وأمني، ومن ثم لعبت بكامل طاقتها في منطقة وسط آسيا التي تعتبرها المجال الحيوي، ومن ثم ركزت وضعها في النطاق الأورو- آسيوي، وحاولت تشكيل نظم إقليمية ذات طابع قاري، كما نشرت صواريخ في منطقة هي الأشد حساسية في أوروبا وتعتبر مرتعًا لحلف (الناتو)، كالمناطق المحاذية لبولندا.

وفي 26 كانون الأول/ ديسمبر 2014 وقّع الرئيس بوتين النسخة المعدّلة للعقيدة العسكرية لروسيا، مدشِّنًا مرحلة جديدة من العلاقة مع الغرب، إذ نصّت على اعتبار حلف (الناتو) بين أبرز الأخطار التي تواجهها روسيا، إضافة إلى تأمين مصالح روسيا في القطب الشمالي، وأكدت حق موسكو في استخدام القوة النووية لـ “أغراض دفاعية”. وفي أواخر عام 2016 لجأ بوتين إلى تعديل هذه العقيدة بما يتناسب وظروف روسيا المستجدة داخليًا وخارجيًا، إذ نصّت على “اعتبار الولايات المتحدة الأميركية ضمن التهديدات التي تواجه الأمن القومي الروسي”، و”حق روسيا في استخدام قواتها المسلحة خارج حدودها لمواجهة أية أخطار تهدد أمنها القومي”، واعتبرت “أن العدو الخارجي يتجسد في توسّع الحلف الأطلسي شرقًا في اتجاه الحدود الروسية” و”نشر الدرع الصاروخية في منطقة نفوذها السابقة وفي دول تقع على مقربة من حدودها الخارجية”.

وقبل حديث الاستراتيجية الجديدة، وغداة انصرام عام 2015، كانت روسيا تعلن حيازتها غواصة نووية جديدة من دون قائد، الأمر الذي يعد سلاحًا نوويًا تكتيكيًا جديدًا، يمكنه تهديد غواصات أميركا وقواعدها البحرية، وكذلك المدن الساحلية الواقعة على شاطئَيّ الأطلسي والهادي، وفي أضعف الأحوال خلق منــاطق تلوث إشعاعي، وكان بوتين أكثر حدّة في خطابه وتصريحاته اللاحقة، حين أكد أن روسيا “لن تسمح بأي محاولة لكسر التوازن الاستراتيجي، وستنظر إليها بوصفها أمرًا بالغ الخطورة”.

إن حرب روسيا في جورجيا وأوكرانيا تحمل العديد من الرسائل، منها انتهاء حقبة النظام العالمي الذي ظهر بعد الحرب الباردة، أي أنها أرسلت رسالة واضحة، مؤداها عودتها القوية إلى المسرح الدولي، ورفضها الوصاية الغربية على حدائقها الخلفية، ورسالة أخرى موجّهة إلى حلفاء أميركا في القوقاز والبلطيق، مؤدّاها أنه “لا جدوى من اعتمادكم على واشنطن”.

لقد نجحت موسكو في عرقلة انضمام جورجيا إلى (الناتو)، وحوّلتها عمليًا إلى دولة لا تتحقق فيها شروط عضوية الحلف، وباتت غارقة في نزاع على أراضيها، خصوصًا بعد اعتراف موسكو بإقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية كدولتين مستقلتين. ونلاحظ أن الأمر نفسه يتكرر مع أوكرانيا بعد سحب القرم منها، واحتدام الصراع على مستقبل منطقة دونباس بإقليميها لوغانسك ودونيتسك. ووجود مثل هذه النزاعات لا يسمح بتحقيق رغبة أي دولة في الانضمام إلى صفوف (الناتو).

يبدو أن بوتين سيواصل المواجهة، حتى نيل اعتراف غربي بمصالح روسيا في مناطق تعتبرها حيوية لنفوذها، وهو يحلم بالعودة إلى نظرية (السيادة المحدودة) التي عرفت بـ (عقيدة بريجنيف) خلال العهد السوفياتي. وهكذا يبدو أن النظام الروسي البوتيني لديه مفهوم خاص للعلاقات الدولية والتاريخ السياسي الأوروبي. قوام هذا المفهوم أن دور روسيا كبير ومهم في هذا العالم، وأنها بسبب مكانتها هذه معرّضة للمؤامرات التي غالبًا ما يكون مصدرها الغرب. ويبدو أن النظام الروسي لم يستفِق بعد مما سماه بوتين (الكارثة الجيو- سياسية الكبرى) بانهيار المنظومة السوفياتية.

في الحصيلة، تحاول موسكو قضم المنافع الدولية من دون دفع تكاليف وأثمان باهظة، أما التعديل الملحوظ فلا يعدو كونه تعديلًا في اللهجة الدبلوماسية التي يتم التداول بها مع الآخرين. ومردّ ذلك أن السقف العالي يتطلب إمكانات اقتصادية ومالية ليست متوافرة في الوضع الروسي الراهن، بالنظر إلى جملة أسباب من بينها العقوبات الاقتصادية التي يشتد أثرها وضغطها الداخلي، ما حتّم البحث عن وسائل مرنة في التعبير عما تعتبره روسيا طموحًا مشروعًا لها.

من الأهمية بمكان أن نشير إلى أن الأزمة الأوكرانية وتداعياتها، بما فيها استعادة روسيا القرم، وإحباط الخطة الغربية لضم أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، ومن ثم (الناتو)، كانت نقطة انعطاف حادة في العلاقات الروسية مع كل من أميركا والحلف الأطلسي.

 

رابعًا: حول مصير معاهدة (ستارت)

في نيسان/ أبريل 2010، وقّعت روسيا والولايات المتحدة الأميركية معاهدة (ستارت) الجديدة التي تلزم الطرفين بأعداد محددة من الرؤوس الحربية، ولم يتمكّن الكرملين من ربط تقليص الأسلحة الاستراتيجية الهجومية بنشر منظومات الدفاع المضادة للصواريخ. بيد أن المعاهدة تتعرض حاليًا لضغوط جديدة، مع اتهام الولايات المتحدة لروسيا بارتكاب انتهاكات ودعوة بعض السياسيين الروس علنًا لإلغاء الاتفاق تمامًا. وقد حذرت روسيا، في عام 2015، بأنها ربما تنشر صواريخ إسكندر النووية في القطاع الغربي من منطقة كالينينغراد والقرم، ما يضيف بعدًا نوويًا آخر للمواجهة الحالية التي وصلت إلى درجة تصعيد غير مسبوقة.

وفي هذا السياق، وجه ميخائيل غورباتشوف آخر رئيس سوفياتي، في 12 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، نداء إلى الرئيسين ترامب وبوتين، قال فيه “أتمنى على روسيا والولايات المتحدة التحضير لعقد اجتماع قمة جاد وجامع بين رئيسي الدولتين يتناول مختلف القضايا والمشكلات العالقة… وأعتقد أيضًا أن اجتماع القمة يجب أن يركّز على المشكلات المتعلقة بتخفيض المخزون من الأسلحة النووية، والعمل على تعزيز الاستقرار الاستراتيجي في الدولتين والعالم أجمع. وذلك لأن من شأن انهيار نظام مراقبة الأسلحة النووية، الذي يمكن أن يحدث لو تم إلغاء معاهدة القوى النووية متوسطة المدى، أن يؤدي إلى عواقب وتداعيات كارثية مباشرة وغير مباشرة”.

وكان اجتماع مجلس (روسيا– الناتو)، في نيسان/ أبريل 2016، بعد قطيعة دامت أكثر من عامين على خلفية الأزمة الأوكرانية، قد فشل في تهدئة المخاوف الأميركية والأوروبية. بل لا يُستبعد أن تصبح منطقة المحيط المتجمّد الشمالي حلبة مستقبلية لتصادم حادّ بين مصالح استراتيجية لدول عدة، في مقدّمها روسيا والولايات المتحدة، حيث دأبت روسيا على تحذير الدول الأخرى، المطلة على القطب الشمالي، من مغبّة منعها من الوصول إلى مكامن الثروات الطبيعية، وذلك في ظل نشاط الولايات المتحدة وحلفائها في مواجهة المصالح الروسية في تلك المنطقة التي تنطوي على قيمة استراتيجية، إذ إن قاعدة أسطولها من الغواصات النووية موجودة في شبه جزيرة كولا، وأراضي البر الروسي خلف الدائرة القطبية تبلغ مساحتها 1.3 مليون كيلو متر مربع. وهذه الأراضي هي أيضًا مصدر 80 في المئة من إنتاج الغاز الطبيعي في روسيا، و60 في المئة من البترول، ومعظم المعادن النادرة والثمينة.

 

 خامسًا: الدخول الروسي على خط المسألة السورية

يبدو أن العقوبات الغربية لم تردع موسكو بالشكل المطلوب، بل تابعت استراتيجيتها، وبصور أشد عنفًا، تمثلت في دخول موسكو عسكريًا على خط المسألة السورية في أيلول/ سبتمبر 2015، في محاولة منها لإفهام الإدارة الأميركية بضرورة تجسير المواقف لإيجاد حلول على قاعدة براغماتية تحفظ حقوق الأطراف الفاعلين.

لكن روسيا تؤجج خطابها الاتهامي تجاه الولايات المتحدة، وتكرر الطعن في افتقار المرابطة العسكرية الأميركية في سورية الى المشروعية، وتتهم الجيش الأميركي بدعم جماعات متطرفة، وتسريب معلومات سرية إلى الإرهابيين. وقد أسقطت روسيا مشروع قرار أميركيًا في مجلس الأمن الدولي، في 24 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، نصّ على تجديد ولاية لجنة التحقيق الدولية في استخدام الأسلحة الكيماوية في سورية، معتبرة أن مسارعة واشنطن إلى إلزام مجلس الأمن التصويت على مشروع القرار يهدف إلى “استدراج روسيا إلى التصويت ضده، أكثر مما يتعلق بمستقبل التحقيق ذاته”. وكذلك ترى روسيا، في سرعة الاستجابة الغربية لإعادة إعمار الرقة، نيّة واشنطن وحلفائها الأوروبيين تحويل الرقة إلى قاعدة دائمة في المشرق السوري، تستطيع من خلالها ضرب الطموحات الروسية والإيرانية في الهيمنة على هذا المشرق الذي بات على أعتاب مرحلة جديدة تؤكد أن أوراق الحل النهائي في سورية تحتاج إلى مزيد من الوقت كي تجهز.

يدور داخل الولايات المتحدة نقاش على ما إذا كانت روسيا تقود الموقف وتوجه دفته أم هي رهينة له، وهو ما يترتب عليه احتمالان للحل والتعامل مع روسيا على أقل تقدير: أولهما، يقضي باستغلال الطبيعة الهجومية للسياسة الروسية في سورية لتوريط موسكو في مجموعة من المشاكل؛ وثانيهما، يقضي بعدم السماح لها بمواصلة قضم “الحصة الأميركية” في سورية والسطو عليها، والسعي الى تقويض التقدم الذي أحرزته، سواء على المستوى السياسي أو الميداني. ولا يستبعد هذا النهج الدخول في عملية تفاوض، ولكن بعد إضعاف موقف موسكو.

لقد أوضح بوتين رأيه في هذا الصراع الدولي والإقليمي حول سورية في خطابه في 22 تشرين الأول/ أكتوبر 2015 أمام الأمم المتحدة، حين قال “كما تعرفون أن القوة العسكرية ما تزال هي اليوم ولوقت طويل قادم الأداة الأساسية في السياسة الدولية”. وبخصوص الأزمة السورية عرّج قائلًا “بعد أن تقدمت السلطات السورية الرسمية لنا بطلب رسمي بتقديم يد المساعدة، قررنا إطلاق العملية العسكرية في هذا البلد.. أما مسألة مغادرة الرئيس الأسد للسلطة فهذه يحددها ويقررها الشعب السوري بنفسه.. وإن السلطة يجب أن تتم وفق القواعد والإجراءات الديموقراطية المعروفة، وبوجود إشراف موضوعي محايد، وهذا هو الأهم، وألا يكون تابعًا لهذه القوة العظمى أو تلك المجموعة من الدول”.

 

سادسًا: خاتمة

قدمت متغيّرات المشهد الجيو- سياسي العالمي مؤشرات على الدخول إلى عالم التعددية القطبية التي ستقطع مع نهج الأحادية القطبية للولايات المتحدة الأميركية. ولكن روسيا تفتقر، على الرغم من إمكاناتها الهائلة من موارد الطاقة واتساع رقعتها الجغرافية (أكبر بلد في العالم من حيث المساحة)، وعضويتها الدائمة في مجلس الأمن، وامتلاكها القدرات النووية، إلى جاذبية النموذج السياسي الذي تقدمه، مثلما تفتقر بشدة إلى اقتصاد تكنولوجي متطور ومستوى معيشة يقارب نظيره في الدول الغربية.

في الأرقام لا مجال للمقارنة بين قدرات حلف (الناتو) (قيمة النفقات العسكرية لدوله التسع والعشرين 797 مليار يورو في 2015)، وميزانية روسيا العسكرية للعام نفسه لم تتعدّ 79 مليار يورو، أي 4.2 بالمئة من الدخل القومي وفق مخطط التحديث العسكري بين 2011 و2020.

بناءً على ما تقدم، يمكن الاستنتاج أنه، وبصرف النظر عن المواقف الأيديولوجية لكل الأطراف وعن مصالحها الآنية المباشرة سواء أكانت إقليمية أو دولية، ليس من مصلحة الأمن والاستقرار العالميين أن يصل الصراع بين روسيا والغرب إلى مرحلة تُفضي إلى تدمير قدرات روسيا، ذلك أن القضاء على المشهد الفسيفسائي لتوازن القوى في العالم من شأنه أن يؤدي إلى وضعية قد تكون أسوأ بكثير من وضعية الأحادية القطبية، وتحديدًا في هذه المرحلة التاريخية التي بدأت تتخذ فيها الصراعات والحروب المحلية والإقليمية أبعادًا عالمية.

إن أزمة الثقة وتصاعد الشكوك المتبادلة بين روسيا و(الناتو) سوف يستمران إلى فترة ليست بالقصيرة، نتيجة استمرار التناقض حول قضيتي أوكرانيا والدرع الصاروخية التي ستكتمل بحلول العام 2020. ولكن ليس من المنتظر أن يصل التوتر حدّ المواجهة العسكرية أو النووية.