“الاتحاد من أجل السلام”: أمل أم إحباط من أجل السلام في سورية؟

 

انقضى عام تقريبًا، منذ أنْ طالبت 223 منظمةً من منظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، من 45 بلدًا مختلفًا، بعَقد دورة استثنائية طارئة للجمعية العامة للأمم المتحدة[1] ردًّا على استخدام روسيا المتكرر حقَّ النقض “الفيتو” (حتى الآن 9 مرات) لمنع اتخاذ أيّ إجراء ضدّ نظام الأسد[2].

منذ بداية الصراع في سورية عام 2011، قُتل أكثر من 480 ألف شخص، وكان طلبُ عقد دورة استثنائية طارئة، نداءً إلى المجتمع الدولي لاتخاذ إجراءٍ ما، ووضع حدٍّ للمذبحة. في تشرين الأول/ أكتوبر 2016، طالب زيد رعد الحسين، المفوضُ السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، مجلسَ الأمن بأنْ يمنع أعضاءه من استخدام حق النقض، في حالة ارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضدّ الإنسانية، حيث الحالة في حلب تضاهي حمامات دم وارسو، وستالينغراد في الحرب العالمية الثانية[3].

بعد الدعوة إلى عقد دورةٍ استثنائية طارئة، أكدَّتْ المملكة العربية السعودية مرةً أخرى على أنَّ الجمعية العامة ينبغي أنْ تتخذ تدابير لمنع الفشل داخل مجلس الأمن. إذ أعلنت أنَّه “على خلفية استمرار عجز مجلس الأمن، يجب على الجمعية العامة أنْ تتخذ تدابير طارئة، لتولي المسؤولية من أجل صيانة السلم والأمن الدوليين في سورية”[4].

كانت هذه هي المرة الأولى في التاريخ التي ينشأ فيها مثل هذا التحالف الكبير من المنظمات، والحكومات، ومسؤولي الأمم المتحدة، يدعو إلى تغييرٍ في منظومة الأمم المتحدة، معتبرًا أنَّ الدورة الاستثنائية الطارئة هي الأملُ الوحيد لتحقيق السلام والعدالة في نهاية المطاف في سورية. غير أنَّ الجمعية العامة تجاهلت هذه الدعوة. وفشلت مرةً أخرى في الوفاء بسلطتها في صون السلم والأمن الدوليين[5]. ولذلك، بدأ كثيرون في التشكيك حول مدى ملاءمة هذه الدورات الطارئة، ما هي جلسات الطوارئ الخاصة هذه؟ هل يمكن أنْ تكون مفيدةً حقًا للقضية السورية؟ ولماذا ترفض الجمعية العامة عقد مثل هذا الاجتماع؟

وفقًا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 337(V) A “الاتحاد من أجل السلام“، فإنَّ الجلسات الخاصة الطارئة هي اجتماعاتٌ طارئة يُمكن أنْ يُطلب عقدها سبعة أعضاء من مجلس الأمن، أو من قبل أغلبية أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة. ويمكن أنْ يُدعى إلى هذه الجلسات، إذا اعتبر الأعضاء أنّ مجلس الأمن “يفشل في ممارسة مسؤوليته الأساسية، حول صون السلم والأمن الدوليين”[6].

تسمح هذه الاجتماعات للجمعية العامة للأمم المتحدة بتقديم توصياتٍ و “في حالة انتهاك السلام، أو عملٍ عدواني، تستخدم القوات المسلحة عند الضرورة”. جرى الاتفاق على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا، عام 1950 في أعقاب استخدام الاتحاد السوفييتي لـ 26 مرةٍ لحق النقض بين عامي 1946 و1949 لحماية المعتدين الصينيين، والكوريين الشماليين. صدر القرار بشكلٍ واضح لمنع الأعضاء الدائمين الأقوياء في مجلس الأمن من استخدام حق النقض، من أجل تحقيق أهدافهم الجيو-استراتيجية بدلًا من التركيز على الحفاظ على السلام والأمن الدوليين.

منذ صدور القرار في عام 1950، عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة 10 جلساتٍ خاصة طارئة. غير أنَّ استخدام القوات المسلحة لم يُطبَق إلا مرةً واحدة، خلال الحرب على شبه الجزيرة الكورية[7]. وكانت آخر جلستين طارئتين تتعلق بالأراضي العربية التي تحتلها “إسرائيل”[8].

على الرغم من أنَّ الاحتلال الإسرائيلي هو من أكثر القضايا الجيوسياسية إثارةً للخلاف في عصرنا، والظروف التي يعاني منها الفلسطينيون غير مقبولة، لكن الحجم الهائل للمعاناة المدنية في الصراع السوري لا يمكن مقارنته بأيّ صراعٍ حديث آخر. وقد ذكرت الأمم المتحدة ذاتها بأنَّ الصراع السوري هو أسوأ أزمةٍ إنسانية منذ عام 1945، وبالتالي منذ صدور قرار “الاتحاد من أجل السلام”[9].

على ضوء ذلك؛ يُمكن اعتبار قرار “الاتحاد من أجل السلام” الأملَ الأخير من أجل السلام في سورية، لأنّه يتجاوز في نهاية الأمر نظام حق النقض. ولا يزال السيد منذر ماخوس، وهو عضو المجلس الوطني السوري، واللجنة العليا للمفاوضات السورية، “واثقًا تمامًا في المبادرة التي ستؤمن أكثر من 90 في المئة من الأصوات في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ما يُلغي بدوره حق النقض الروسي”[10]. وهو على حقٍ في التأكيد على أنَّ احتمالات الحصول على أصواتٍ كافية لعقد جلسةٍ خاصة طارئة كبيرة. وفي حال عُقِد اجتماع طارئ لمناقشة التدابير المحتملة، يمكن أنْ يُقال إنَّ تنظيم عمليات حفظ السلام، أو العمليات العسكرية في سورية غير واقعيّ، وربما مفرطٌ في طموحه. وسيكون تحديًّا بالغ الصعوبة، لأنْ تقنع أعضاء الجمعية العامة، ومجلس الأمن للتصويت لصالح هذا الإجراء “الراديكالي”، منذ أنْ أصبح الصراع السوري مسلخًا جيوسياسيًا، والعديد من الأطراف تتصرف دفاعًا عن مصالحها الاستراتيجية الخاصة. وعلاوةً على ذلك، فإنَّ عدد الإصابات في صفوف المدنيين مرتفعٌ جدًا، بحيث لا تخاطر في تصعيد القتال نتيجة لتدخل القوات البرية الدولية على هذا النطاق. وفقًا لـ باولو سيرجيو، رئيس لجنة التحقيق في سورية، فإنَّ “المجتمع الدولي متفقٌ على أنَّه لا يوجد حلٌ عسكري لهذا الصراع”[11].  لذلك، ربما يكون أكثر واقعيةً استخدام قرار “الاتحاد من أجل السلام” لإنشاء محكمةٍ مخصصةٍ لسورية، في المحكمة الجنائية الدولية[12].

في عام 2013، أعلن أدريان سولبيرجر، ممثّل الأمم المتحدة السويسري، أنَّه “لا يمكن تحقيق سلامٍ دائم في سورية من دون اتخاذ إجراء متناسب ضدّ الإفلات من العقاب”. وهو يؤكّد بحقٍ على أنَّه نظرًا إلى المدى الفظيع لجرائم الحرب، والجرائم ضدّ الإنسانية المرتكبة في سورية؛ فإنَّ طريق السلام لا يمكن أنْ يتحرك إلى الأمام من دون أملٍ بالمساءلة[13]. ومع ذلك، وبما أنَّ سورية لم تصدّق على “ميثاق روما الأساسي” (النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية)، فإنَّ الطريق المحتمل نحو إنشاء محكمةٍ خاصة من أجل سورية هو من خلال الإحالة من قبل مجلس الأمن. وبما أنَّ روسيا قد اعترضت على هذه الإحالة، فالخيار الوحيد المتبقي هو المضي قدمًا في تنفيذ قرار “الاتحاد من أجل السلام“. وقد اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالفعل خطوةً مهمة، من خلال إنشاء آليةٍ دولية مستقلة، وغير متحيزة من أجل سورية، من دون موافقة مجلس الأمن، وهي مجموعة مكرسة لتحليل الأدلة المحورية لأيّ محاكماتٍ في المستقبل. وعلاوة على ذلك، وبفضل جهود لجنة التحقيق، ومنظمات المجتمع المدني، والمنظمات غير الحكومية، فقد تمَّ جمع ما يكفي من الأدلة الدامغة من أجل إنشاء محكمة. ووفقًا لأستاذ القانون كيفن جون هيلر، فإنَّ الوزن الجماعي للأدلة على الجرائم المرتكبة في سورية يكاد يكون قويًا مثل الأدلة التي استُخدمت في محاكم نورمبرغ[14].

ومع ذلك، فإنَّ الجزء الوحيد المفقود من لغز الأمم المتحدة لتحقيق السلام والمساءلة في سورية هو إحالة القضية السورية إلى المحكمة الجنائية الدولية. ويظلُّ الاتحاد من أجل السلام الوسيلة الأخيرة المتاحة والقادرة على القيام بذلك.

إذًا ما الذي يمنع تطبيق هذا القرار؟ منذ إعلان هذا القرار غير الملزم عام 1950، قيل عادةً إنّه ينتهك عدّة موادٍ من ميثاق الأمم المتحدة. ويمكن القول إنَّ “الاتحاد من أجل السلام” غير متوافقٍ مع المواد من 10 إلى 14 من الميثاق التي تؤكّد على الأدوار الفريدة التي تضطلع بها الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومجلس الأمن، وكيف أنَّ وظائف كلّ منها غير قابلةٍ للتبادل. وعلاوةً على ذلك، فإنَّ حقيقة انعقاد جلسةٍ خاصة طارئة، بطلبٍ من سبعة أعضاء فقط من مجلس الأمن، تتناقض مع المادتين 20 و27 اللتين تركزان على حق جميع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن بممارسة حقهم في النقض. ومع ذلك، فإنَّ هذه المواقف يمكن الطعن فيها بسهولة. وكما ذُكر في الميثاق كله، فإنَّ صون السلم والأمن الدوليين يجب أنْ يظل الهدف المركزي، والمرجعي لمجلس الأمن، وينبغي على الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن أنْ يستخدموا حق النقض بحسن نيةٍ فحسب. وإضافة إلى ذلك، أعلنت محكمة العدل الدولية أنَّ دور مجلس الأمن، في صون السلم والأمن الدوليين، هو الأساسيّ، ولكن ليس الحصري، وبالتالي، لا ينبغي أنْ يشكّل المصدر الوحيد للسلطة داخل الأمم المتحدة[15]. وقد أكَّد المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة هذا الموقف، الذي أعلن أنَّ “مسؤولية وقف الأزمة السورية تقع في المقام الأول على عاتق مجلس الأمن، ولكن ليس بشكلٍ حصري، ولذلك قد يكون للجمعية العامة دورٌ أيضًا”[16]. وهكذا، بغض النظر عن الحجج ضدّ استفادة الاتحاد من أجل السلام، يجب على الجمعية العامة، ومجلس الأمن أنْ يفيا بمهمتهما الأساسية في صون السلم والأمن الدوليين. بالتالي، وفي حالة سورية، يجب على الجمعية العامة، ومجلس الأمن اتخاذ إجراءاتٍ حاسمة وفعالة، مثل عقد دورةٍ استثنائية طارئة، لإنجاز هذه المهمة المحقة.

ويبدو أنَّ دورةً استثنائية طارئة هي سلاحٌ محتمل في أيدي أولئك الذين يسعون إلى إعادة تأسيس مفاهيم العدالة في مجلس الأمن؛ ما يسمح للجمعية العامة للأمم المتحدة أخيرًا بتجاوز حق النقض الروسي الوحشي الذي يمنع الأمم المتحدة من اتخاذ إجراء ضدّ النظام السوري.

وهذا القرار يثبت أنّه قويٌّ للغاية، وخصوصًا في ما يتعلق باحتمال إحالة القضية السورية إلى المحكمة الجنائية الدولية. ومع ذلك، على الرغم من أنَّ “الاتحاد من أجل السلام” الذي يُشكّل الأمل الوحيد المتبقي من أجل السلام والعدالة في سورية، يبدو أنَّ الجمعية العامة غير راغبةٍ في إثارة غضب بعض الأعضاء في مجلس الأمن، وأنْ تتعرض للمخاطرة بتهمة انتهاك ميثاق الأمم المتحدة بعقد جلسةٍ خاصة طارئة. ومع ذلك، ولمّا كان هذا القرار قد استُخدم في عشر حالاتٍ أخرى مماثلة، فإنَّ الأمل يبقى في أنْ توافق الجمعية العامة للأمم المتحدة أخيرًا على عقد دورةٍ استثنائية طارئة من أجل سورية، ما يُمكن أنْ ينقذ ما تبقى من سكان سورية من المزيد من الانتهاكات الجسيمة. وبالتالي، يتحتم على الحكومات، ومسؤولي الأمم المتحدة، والمنظمات غير الحكومية، ومنظمات المجتمع المدني الأخرى مواصلة كفاحهم من أجل السلام والعدالة في سورية، وممارسة أكبر قدرٍ ممكن من الضغط على الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ لتطبيق قرار الاتحاد من أجل السلام، وأخيرًا وضع حدٍّ لمعاناة الشعب السوري.

اسم المقالة الأصليUniting for Peace’: hope or disillusion for peace in Syria?
الكاتب                       إيما كابرول / Emma Cabrol
المصدرمركز حرمون للدراسات المعاصرة، برنامج الباحثين الزائرين الدوليين
عدد الكلمات1779
ترجمةوحدة الترجمة والتعريب

 

 

[1]  الحركة العالمية لحقوق الإنسان. (2017). الاتحاد من أجل السلام: مناشدة المجتمع المدني العالمي للدول الأعضاء في الأمم المتحدة. [أون لاين] متاح على الموقع: https://www.fidh.org/en/region/north-africa-middle-east/syria/uniting-for-peace-global-civil-society-appeal-to-un-member-states

[2] بحث الأمم المتحدة (2017). أدلة البحث: مجلس الأمن – روابط سريعة: الفيتو. [أون لاين] متاح على الموقع:

http://research.un.org/en/docs/sc/quick

[3] مجتمع الخمير كروم. (2017). ولا ينبغي استخدام حق النقض في مجلس الأمن عندما ترتكب جرائم الحرب أو جرائم ضد الإنسانية أو جرائم الإبادة الجماعية- جماعة الخمير كروم. [أون لاين] متاح على الموقع:

http://www.khmerkromngo.org/veto-in-security-council-should-not-be-used-when-war-crimes-crimes-against-humanity-or-genocide-may-have-been-committed/

[4] الأمم المتحدة (2017). الجمعية العامة تطالب بالوقف العاجل للأعمال العدائية في سورية، في الوقت الذي يناقش فيه المتحدثون عجز مجلس الأمن المستمر | تغطية الاجتماعات والبيانات الصحفية. [أون لاين] متاح على الموقع: https://www.un.org/press/en/2016/ga11871.doc.htm

[5] ميثاق الأمم المتحدة، المادة 1 (1)

[6] قرار الأمم المتحدة رقم 337 (V) A: الاتحاد من أجل السلام

[7] قرار الأمم المتحدة، الدورة الخامسة، 498 (V) (ا شباط/ فبراير 1951)

[8]  الأمم المتحدة (2017). الجمعية العامة، جلسة طارئة (أون لاين)، متاح على الموقع: http://www.un.org/en/ga/sessions/emergency.shtml

[9] الغارديان (2017). العالم يواجه أخطر أزمة إنسانية منذ عام 1945، كما يقول مسؤولو الأمم المتحدة، (أون لاين) متاحة على الموقع:  https://www.theguardian.com/world/2017/mar/11/world-faces-worst-humanitarian-crisis-since-1945-says-un-official

[10] يوسف ف. (2017). المجلس الوطني السوري يلجأ إلى قرار الأمم المتحدة “الاتحاد من أجل السلام” – الشرق الأوسط باللغة الإنكليزية. (أون لاين) متاحة على الموقع: https://aaaenglish.wpengine.com/f-yousef/news-middle-east/syrias-hnc-resort-u-n-resolution-uniting-peace

[11] مفوضية حقوق الإنسان في الأمم المتحدة (2017). | بيان السيد باولو سيرجيو بينهيرو رئيس اللجنة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن الجمهورية العربية السورية. (أون لاين) متاح على الموقع: http://www.ohchr.org/EN/NewsEvents/Pages/DisplayNews.aspx?NewsID=15843&LangID=E

[12] خوسيه، B. ومكغوفي، L. (2017). الاتحاد من أجل السلام في سورية: تحرك جذري أم اقتراح متواضع؟ | بطة منيرفا. (أون لاين) Duckofminerva.com. متاح على الموقع:

http://duckofminerva.com/2017/05/uniting-for-peace-in-syria.html

[13] امش، R. (2017). تطالب سويسرا بملاحقة جرائم الحرب السورية. (أون لاين) متاح على الموقع: https://www.swissinfo.ch/eng/letter-of-intent_swiss-ask-for-syrian-war-crimes-prosecution/34727344

[14] آن، برنارد، B. (2017). بينما تتزايد الفظائع في سورية، تبدو العدالة بعيدة المنال (أون لاين). متاح على الموقع: https://www.nytimes.com/2017/04/15/world/middleeast/syria-bashar-al-assad-evidence.html?_r=0&mtrref=duckofminerva.com

[15] حالة بعض النفقات، تقارير محكمة العدل الدولية، 1961، ص. 166

[16] الدورة الاستثنائية لمجلس حقوق الإنسان بشأن تدهور حالة حقوق الإنسان في الجمهورية العربية السورية، والحالة الأخيرة في حلب، 21 تشرين الأول/ أكتوبر2016، المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان.