الهروب من استحقاق جنيف

 

الدعوة إلى سوتشي -إن كُتب لها الاستمرار- بهذه التشكيلة الواسعة من “المنظمات” السياسية السورية، تستوجب العودةَ قليلًا إلى إشكالات جنيف التي حالت دون تحقيق أي نتيجة -كما يفترض- وفقًا لقرارات مجلس الأمن المتصلة بالشأن السوري. وتعد مسألة تمثيل وفد المعارضة مشكلةً جوهريةً، بذلت موسكو جهودًا محمومة بسببها، لإفشال العملية السياسية المتمثلة بجنيف. فهي ترفض أن يمثل الائتلافُ الوطني وحده -ولاحقًا هيئة المفاوضات- وفدَ المعارضة السورية. وتريد إدخال أفراد وهيئات أخرى، هي في واقع الأمر تدور في فلك نظام الأسد وموسكو، وفي أفضل الأحوال تتبنى الرواية التي ترى في الثورة السورية، مؤامرة كونية، وهجمة إرهابية تستهدف سورية.

حاولت موسكو مرارًا إدخال أطراف ثالثة في المفاوضات، بهدف إيجاد قوة تمنع تحقيق الندية بين طرفين أساسيين، على حساب المعارضة، فينخفض مستوى تمثيلها، ومشاركتها إلى الثلث، وبذلك تفقد أي قدرة على التأثير في مسار التفاوض، وبالتالي العملية السياسية برمتها.

اليوم، حين تتوجه موسكو إلى عقد مؤتمرٍ، يشارك فيه ما يزيد على ثلاثين هيئة (حزبًا أو منظمة)؛ فإن ذلك يعني خلط جميع الأوراق، وإعادة تمركزها في اليد الروسية، وكأن سباقًا محمومًا مع الزمن تحاول موسكو كسبه، قبل أن تتغير الموازين، في ظل حديث واشنطن بأن القضاء على (داعش)، هو تمهيد للدخول في عملية تسوية سياسية للملف السوري.

تدرك موسكو جيدًا أن واشنطن ما زالت بعيدة، جيدًا عن الاهتمام بقضية التسوية، وهذا ما يعرف الكريملين كيف يستغله في سياق الاشتغال على تثبيت السياسة الروسية في سورية، بعد أن أنجزت عدة استحقاقات، بخاصة في مفاوضات أستانا، التي أفضت في الواقع إلى تحجيم دور فصائل المعارضة المسلحة، وإيقاف عملياتها ضد النظام، وإشغالها بإدارة المناطق التي تقع تحت سيطرتها، في صورة أشبه بمرايا معلقة بالهواء: أي ريح تجعلها هشيمًا.

ليس هناك اليوم، في الساحة السورية، أيّ قوة سياسية منظمة وقادرة على التأثير العام، أو التأثير في صناعة القرار الوطني، سواء أكان الأمر يتصل بالنظام، أم بالمعارضة. كلا الطرفين يفتقد اليوم الأهلية في تمثيل السوريين. فقد رهن النظام نفسه بموجب الاتفاقات التي أبرمها مع إيران وروسيا، فجلب التدخل العسكري والسياسي والأمني المباشر.

فيما أضحت المعارضة السورية عزلاء، بخاصة في ظل تراجع الدعم السياسي الذي حظيت به الثورة السورية، في العامين الأولين، ثم ما لبث أن تبخرت مواقف الدول: أصدقاء سورية، ووقوف الولايات المتحدة أشبه بمتفرج، يُكثر من الوعود، ولا يقدم أي مساندة سياسية، إلى درجة مكّنت موسكو من استخدام حقّ النقض تسع مرات، في الشأن السوري. كما أن تدفق التمويل باتجاه الفصائل المسلحة، بعيدًا عن التنسيق مع المعارضة، جعل مؤسساتها، غير ذات تأثير، أو جدوى في إطار الجهود السياسية كافة، إضافة إلى أنه نال من النضال السلمي للثورة السورية، بشكل مباشر.

المدعوون إلى سوتشي لا يمتلكون أي مقدرة على التأثير، دون استثناء، ولا يمكنهم تقديم أي ضمان لتحقيق أي بندٍ يتم الاتفاق عليه. يمكنهم الانخراط في أي عملية سياسية، لكن كتابعين لأطراف إقليمية، هي من يحدد الأطر، ويختار اللاعبين. وفي سوتشي، ليس ثمة قوى إقليمية سوى الدب الروسي، الذي ما أن يبدأ رقصته، حتى ينهار كل شئ.

بلا شك، هناك زاوية أخرى يمكننا النظر من خلالها إلى مؤتمر سوتشي: هناك أزمة حقيقية تواجه الكرملين بشأن اليوم التالي، بعد أن حقق التدخل العسكري الروسي أهدافه، من وجهة نظر موسكو. فيما تبرز إشكالية جمع المعارضة السورية، حول استراتيجية الحل الروسي القائم على تسوية تشمل تشكيل حكومة مشتركة، تدير البلاد في ظل استمرار الأسد، وبإشراف روسي، في تعارض أساسي مع بنود جنيف والقرارات الدولية الداعمة له، بشأن هيئة حكم انتقالية.

إذا كان مؤتمر سوتشي سوف يُعقد بلا ظروف ملائمة، أو شروط حوار بلا أفق؛ فإنه يقوم على تقويض ما تبقى من عملية جنيف التفاوضية، ويشكل خروجًا عليها، وهروبًا منها. هكذا كانت مفاوضات أستانا، والتي يبدو أن مهمتها قد انتهت. ومصدر القلق الذي تعمل موسكو على إزالته، هو وجود طرف دولي مراقب في أي تسوية تريد فرضها على السوريين. ولذلك فإن مفاوضات جنيف ظلت تراوح مكانها، ولم يحدث فيها أي تقدم، نتيجة لتمسك النظام بشروط محددة، متفقٌ عليها مع روسيا. وفي مقدمها عدم التباحث حول مصير الأسد، ورفض إقامة هيئة حكم انتقالية.

لعبت موسكو على عامل التدمير والقتل، وفرض الحصار على المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام، وعملت بلا كللٍ على تشظية صفوف المعارضة السورية، التي فشلت في التوافق فيما بينها، على التعاون التشاركي للعمل في مواجهة النظام الأسدي وحلفائه. وتعمل اليوم على ترويج شكل من أشكال الحوار الذي يفتقد إلى أبسط الأسس والمبادئ: أطراف مستقلة، مؤثرة في بيئتها، قادرة على اتخاذ القرار، وعلى تحمل المسؤولية.

في خضم التحولات الكبيرة التي تجري في المنطقة، سياسيًا وعسكريًا، تستمر عملية التدمير، واقتلاع السوريين من أراضيهم ومنازلهم؛ ما يجعل من أي مؤتمر سياسي، أو حوار وطني، مجرد غثاء في البراري، فقد وضعت كل من روسيا وإيران والولايات المتحدة المنطقةَ على فوهة بركان، تتعقد فيه المشكلات، وبات من الصعب تصور الحل، في ظل الإصرار على بقاء النظام السوري، وتغافل المجتمع الدولي عن جرائم الحرب المروعة التي ارتكبتها تلك الأطراف في سورية والعراق، إلى درجة العجز عن تسميتها، وإدانتها في الحدّ الأدنى.

سوتشي هو استخفاف بالقضية السورية، حالة جديدة من العبث بتضحيات السوريين وبآمالهم، تضاف إلى القهر السوري المديد.