“ياسين الحافظ”: راهنيته ورهانه

في 28 تشرين الأول/ أكتوبر 1978 غيّب الموت ياسين الحافظ. وهو مفكرٌ سياسي اجتماعي سوري، وابنٌ لمحافظة دير الزور السورية.

وإذ أتذكره الآن، فلكي أنقد فكره، وأسأل عن راهنية مشروعه ومشروعية رهانه، لا لكي أكيل المديح له، ولا سيما أن سورية خصوصًا، ومسقط رأسه دير الزور على الأخص، والثورة السورية والمنطقة العربية عمومًا، تمر بظروف معقدة وشروط صعبة، خلقها الاستبداد والتدخل الدولي والإرهاب والفوضى.

من هنا، يبرز السؤال عن فكر “الحافظ” ذلك المثقف الثوري والمفكر السياسي: هل ثمة من راهنية لمشروع “الحافظ” ومشروعية لرهانه؟!

شخصيًا، وبتواضع أقول: لقد أيقظني ياسين الحافظ، في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، “من سباتي الدوغمائي”، كما أيقظ الفيلسوف الريبي هيوم مرةً الفيلسوفَ النقدي كانط. ولكن المتابعة والتناصت والتجابه تفرض عليّ أنْ أمارس الدرس النقدي الذي تعلمته منه، على فكره نفسه، وأظنه سيكون سعيدًا بالنقد، لو كان بيننا اليوم؛ فهو القائل: “ما الذي يبقى من الإنتلجنتسيا، في بلد متأخر؛ إذا تخلت عن وظيفتها النقدية!”.

مشروع “الحافظ”

يتلخص مشروع “الحافظ” بـإنجاز “الثورة القومية الديمقراطية ذات الأفق الاشتراكي”، وإنجاز “الدولة-الأمة”، وتحقيق “الاندماج القومي”. ويأتي كل هذا من خلال “تحديث عمارة” المجتمع العربي بكافة بناه؛ لتجاوز “التأخر التاريخي” المتقوقع فيه، قياسًا بالغرب الحديث، ولتجاوز “بنى المجتمع المفوتة”، في آنٍ. وأما أداة هذا التجاوز، فتتحدد بـ “الحزب الثوري” و”النخبة المثقفة”، وذلك بامتلاكهما “وعيًا مطابقًا للواقع”، يكون “تاريخيًا وكونيا وحديثًا”.

واقع الحال الآن هو أن العرب لم تنجز الدولة – الأمة نهائيًا، ناهيك عن نمو نزعة فوق قومية، لم يتوقعها “الحافظ” بتاتًا، هي نزعة “الدولة الإسلامية”. وبات جل اهتمام بعض “النخبة المثقفة” ينصب على “الدولة الوطنية” التي اعتبرها “الحافظ” دولة “قطرية”، وبتنا في سورية والعراق واليمن وليبيا في حالة اللادولة أساسًا، قبل أي صفة تلحق بالدولة، إنْ كانت دولة أمة أو وطنية أو قومية أو إسلامية. ولم ينجز السوريون ولا غيرهم من العرب “الاندماج الوطني”، فضلًا عن عدم إنجاز العرب لـ “الاندماج القومي”، وانحدر “التساكن الوطني” و”التراصف القومي” أيام “الحافظ” إلى درجة سحيقة في الانحطاط الآن، باتت فيها النخبة المثقفة لا تلوذ بطوائفها وإثنياتها وعشائرها وتحتمي بها فحسب، بل تُنظر وتدافع عنها لتأبيدها في فواتها وعدم تجاوز تأخرها، ولم ننجز أيضًا تحديث المجتمع بتمثل قيم الحداثة وتبني مناهجها في التفكير، وباتت الاشتراكية في الكتب، بعد سقوط “الاتحاد السوفييتي” و”المعسكر الشرقي”.

إذن؛ لا راهنية لمشروع “ياسين” بالمجمل، ولكن ثمة راهنية لطريقته العقلانية، في ردم الهوة بين الهدف وبين النتيجة، في جَسْر المسافة بين حكم القيمة وبين حكم الواقع، في تبني قيم الحداثة والعمل والمصلحة والفاعلية ومفاعيل الزمن وموازين القوى.

رهان “الحافظ”

لقد راهن “الحافظ” على “الوعي المطابق للواقع” بالتحديد، لا على الوعي عمومًا. وهذا الوعي المطابق عنده هو وعيٌ تاريخي وكوني وحديث، تقوم “النخبة المثقفة” (الإنتلجنتسيا) بنقله إلى الشعب العربي. يقول “الحافظ” عن أهمية الوعي المطابق للواقع: “والواقع أن الأسوأ من الهزيمة، والأدعى منها إلى الأسى والتشاؤم، هو الوعي الزائف الذي قابلت به الإنتلجنتسيا العربية الهزيمة. إذ لو أنها كانت تملك وعيًا مطابقًا؛ لما وقعت الهزيمة، ولو افترضنا أنها كانت ستقع لسبب ما؛ فإنها لن تلبث أنْ تُصفى بلا تأخير، ذلك أن توفر الوعي المطابق يُسهل في حدود كبيرة عملية الترميم وإعادة البناء”.

والآن يحق لنا التساؤل: هل فعلًا لو امتلكت النخبة المثقفة وعيًا مطابقًا؛ لما وقعت الهزيمة! وهل فعلًا لو وقعت هزيمة 67 لسببٍ ما؛ لكانت صُفيت بلا تأخير نتائجها، لو توفر الوعي المطابق عند تلك النخبة؟!

حقيقة، إن تضخيم فضل الوعي المطابق، الحديث والكوني والتاريخي، على الأمة العربية، وتضخيم دور النخبة المثقفة التي من المفترض أن تحمل هذا الوعي المطابق وتنقله إلى الشعب العربي، هذا التضخيم هو فعل غير واقعي، بل قل: رغبوي، والمفارقة أنه فعل يصدر عن مثقف جل همه الواقع!

“فالحافظ” يفترض أن المجتمعات المتقدمة هي مستقبل المجتمعات المتأخرة؛ وبهذا يكون المجتمع الفرنسي، بوصفه مجتمعًا متقدمًا، هو مستقبل المجتمع السوري، بوصفه مجتمعًا متأخرًا! والحق يقال إنه يمكن أنْ توضح المجتمعات المتقدمة الممكنات الكامنة في المجتمعات المتأخرة، ولكنها لا ترسم لها مستقبلها ولا تحدده أبدًا.

فهو يرفض مثلًا نقد الديمقراطية باسم اشتراكية قيد التحقيق؛ لأن الاشتراكي بنقده هذا “يدين منظومة ما زال بلده، من زاوية التطور التاريخي، دونها بمراحل”. ولكنه يبيح فقط للاشتراكي الذي أنجز بلده ثورة ديمقراطية أنْ ينقد الديمقراطية. وكأن الناقد ابن بلده فقط وليس ابنًا للعالم! وكأن التطور التاريخي سيقود البلدان المتأخرة إلى الديمقراطية لا إلى الانحدار في التأخر مثلًا، وكأن الديمقراطية البرجوازية ستذهب حتمًا إلى الاشتراكية، لا إلى العولمة مثلًا، كما حصل واقعيًا!

مفارقات في آراء “الحافظ”

– رأى “الحافظ” في الحرب “الأهلية اللبنانية” استهدافًا لـ “نافذة الديمقراطية”، كمن يرى الآن “الثورة السورية” استهدافًا لـ “محور المقاومة والممانعة”!

– دان “الحافظ” النزعة الانهزامية أمام أميركا و”إسرائيل” بعد هزيمة 67، وأكد على مشروع “عبد الناصر” في تصفية آثار العدوان، يقول: “لأني كنت أعتقد، وما أزال، أن حدًا أدنى من الجدية، وحدًا مناسبًا من التضامن العربي، كفيلان بتصفية آثار العدوان”. أيّ جدية يتأملها من مجتمع مهزوم ومتأخر ومفوت! وأي تضامن عربي يراهن عليه!

– من الغريب أنْ يطالب “الحافظ” بتحديث المؤسسة العسكرية؛ للوصول إلى تطبيق مناسب لقرار مجلس الأمن 242، وهو الذي رأى أن هذا القرار لم تنجبه موازين القوى العربية أصلًا، وهي لا تستحقه!

– شجع “الحافظ”، بعد هزيمة 67، انسحاب “عبد الناصر” إلى “وراء وإلى يمين، كمحاولة لتجميع ما يمكن تجميعه من قوى الأمة العربية”، وتناسى أن “الأمة العربية” غير واقعية أساسًا!

– أخيرًا: حلل “الحافظ” هزيمة 67، وحلل نكبة 48، وحلل التأخر والفوات بواسطة منهج المقارنة، ليتوصل إلى نقد عمارة المجتمع العربي بكافة بناه. ولكنه أنتج تركيبات عامة لا تتناسب مع الواقع فعلًا. لقد كان “الحافظ” قويًا في التحليل ضعيفًا في التركيب.